إقتصادسياسة

أزمة كورونا: صراعات على اللقاحات والمستلزمات الطبية والمنجزات العلمية

عمر سمير

عشية تفشي وباء كورونا والأزمات المرتبطة به لم يكن ينقص العالم أزمة أخرى لتتفجر صراعاته وتزداد توترا، لكن الأزمة أفرزت صراعا جديدا جوهره العلم والإنجازات العلمية فالصراع الأمريكي الصيني الذي كان قائما بأدوات اقتصادية قبل الأزمة بدأ يحمل تشكيكا بأن هذه حرب بيولوجية صينية، لكن مع تواصل التأكيدات العلمية بأن هذا يصعب تصديقه، فإن الصراع بدأ يأخذ أشكالا أخرى على مستوى القوى الكبرى أو المتوسطة، فالصراع صار بين رؤيتين، الأولى علمية تقودها منظمة الصحة العالمية وبعض البلدان وتدعوا لضرورة التعاون الدولي للقضاء على جائجة عابرة للحدود بطبيعتها ولا يمكن القضاء عليها سوى بمحاصرتها في كافة البلدان في ذات التوقيت، والثانية صراعية حول من يجب أن يتحمل تبعات الجائحة ومن يحصل على اللقاح أولا ويحتكره لشعبه؟ وفي هذا الإطار فإن محاولة ترامب شراء الحق الحصري لإنتاج لقاح ضد كورونا من شركة ألمانية قوبل بمزيد من الاستنكار والاستهجان من قبل الحكومة الألمانية وكذلك عالميا، لكنه كان مبررا بالنسبة لأنصار المدرسة الواقعية والواقعية الجديدة وبالذات من قبل القادة الشعبويين عبر العالم، إن هذه الصراعات الجديدة وفق بعض التحليلات تنزع الثقة وتقللها في إطار تعاوني نظمي مفترض في مواجهة جائحة بيولوجية عالمية، وتحيي مقولات تقليدية في عالم الاجتماع والسياسة مثل الصراع على البقاء ، وهو ما ينزع الثقة ليس فقط من المنظورات التقليدية، لكن الثقة من منظور ما بعد العولمة التي تعرضت الثقة فيها لزلزلة شديدة ليس في الشرق المتشكك فيها من البداية إنما في الغرب ذاته الذي لا يزال يقودها؛ ما يعني أن عالم ما بعد كورونا سيقوده الخوف والتوجس والتقوقع حول كل ما هو قومي أو وطني.

السطو على الأدوية والمعلومات والبيانات الشخصية

لم يبدو العالم في وضع يؤكد مقولات أن المعرفة قوة وأن من يسيطر على البيانات يسيطر على العالم، أكثر من هذه الأزمة، وفي بداية الجائحة رأينا كيف تحولت بعض الأخبار عن سطو بعض الدول على صفقات مستلزمات طبية أو الصراع على الاستيلاء عليها أو حتى التنافس الشديد في عرض أسعار أعلى والفوز بصفقاتها، فقد أحدثت أزمة كورونا حربا من نوع آخر وتهافتا غير مسبوقين بين دول غربية على استيراد الكمامات، وأجهزة التنفس الصناعي لمواجهة المرض، بل واتهمت دول دولا أخرى بالاستيلاء على شحنات معدات طبية كانت موجهة إليها، فعلى سبيل المثال اتهمت ألمانيا الولايات المتحدة بأنها استولت على مئتي ألف كمّامة طبية، كانت قد اشترتها برلين من أجل استخدامها في مكافحة فيروس كورونا، كما اتهمت بعض الجهات المحلية في فرنسا، الأمريكيين بأنهم حصلوا على شحنة من الكمامات كانت قد طلبتها فرنسا، وذلك بعدما ضاعف الأميركيون المال للجهة المصنعة، كما اتهمت سلوفينيا ألمانيا بالاستيلاء على شحنة كمامات صينية في اللحظات الأخيرة بعد أن دفعت مبلغا أكبر، فيما استولت التشيك على شحنة مساعدات طبية صينية كانت في طريقها لإيطاليا، ومنعت بعض السلطات موردين أساسيين من تصدير منتجات ومستلزمات طبية إلى دول أخرى فيما وصف بأنه حرب كمامات، كما استولت إيطاليا على سفينة كانت محملة بالكحول الطبي ومتجهة إلى تونس، فيما وصفته بعض التقارير بنوع جديد من القرصنة هو قرصنة المستلزمات الطبية، بالإضافة للاختراقات الاليكترونية عبر تطبيقات المتابعة التي تسرب بيانات والتي تفوقت فيها بعض الشركات الإسرائيلية مثل NSO والتي قامت بتطوير برنامج جديد بهدف اختراق وتتبع لانتشار فيروس كورونا المستجد، كما قامت بتوزيعه على عدة دول لاستخدامه وتجريبه بزعم أن الهدف الحد من انتشار عدوى الفيروس، ويرتبط بهذه الصراعات صراع الاستحواذ على الشركات المتضررة بسبب الوباء فقد شهدنا تحذيرات من الاستحواذات الصينية على الشركات المتعثرة بسبب أزمة كورنا، حيث كانت البيانات وأدوات تحليلها تستخدم في معرفة الشركات والقطاعات الأكثر تضررا بشكل مبكر لدى بعض الدول ما أعطاها مزايا نسبية وسرعة في التحرك تجاه هذه الشركات فيما البلدات الآخرى منهمكة في انتقال الجائحة إليها ومواجهتها.

سباق الزمن للتوصل للقاح أولا

شهدنا على مدار ما يقرب من عام من بدئ الأزمة تنافسا وصراعا علميا مبكرا فالمملكة المتحدة أعلنت التوصل للقاح وبدء اختباراته على البشر في21 أبريل 2020، بينما أعلنت ألمانيا في22 أبريل بدء تجربة لقاح واعد ضد كورونا سريرياً، ولحقتها روسيا والتي أعلنت إنتاج أول لقاح في 11 أغسطس 2020 بل وتجربته على إحدى بنات الرئيس بوتين لإضفاء مزيد من المصداقية، جاء الإعلان الروسي عن التوصل للقاح واختباره على البشر متعجلا بعض خطواته لإثبات السبق والتفوق العلمي كأحد معايير القوة، وبالتوازي أعلنت أكثر من دولة عن التوصل للقاح وأنه قيد الاختبار ففرنسا دافعت بقوة عن علاج يسمى “هيدروكسي كلوروكين” لأن شركاتها تصنعه وأيضا فإن ترامب والعديد من رؤساء الدول والحكومات دفعوا باتجاه تجربته، لكن اليابان كانت تجرب دواء أخر “أفيجان”، وفي ميدان اللقاحات وبالتوازي كانت الصين قيد تجربة بعض اللقاحات ووعدت بعض حلفائها ليكونو مراكز إقليمية لتوزيعه، ثم أعلنت روسيا عن لقاح جديد آخر وسط التشكيك العالمي في قدرتها على استباق الصين أو الولايات المتحدة ودول أوروبية في هذا المضمار. يشكك علماء ألمان بلقاح كورونا الروسي ويحذرون من مخاطره بخاصة أنه لم يجتز الاختبارات السريرية الكافية وتغيب الشفافية في ميدان المعلومات التي تشاركها روسيا مع العالم في ظل نظامها التسلطي وباعتبار أن الأمر ليس مسابقة لتحديد من الأول بقدر ما هي للتوصل للقاح فعال علميا.، وفي إطار المواجهات السياسية والانتخابية المحلية تستغل الجائحة يبرز صراع بين الهيئات العلمية والجهات السياسية مثلما هو الحال بين إدارة الرئيس ترامب وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية والذي قد يقوض مصداقية الاختبارات العلمية ذاتها، مؤخرا اعلنت تركيا وبلدان أخرى عن بعض اللقاحات، لكن لا تزال المختبرات العلمية تحذر من التسرع في إنتاج لقاحات من دون إخضاعها للخطوات العلمية الصحيحة والكاملة واختبار آثارها الجانبية.

كما شهدنا صعودا للاهتمام بالمؤشرات العلمية والصحية للدول وشهدنا اهتماما ب مؤشر الأمن الصحي وترتيبات الدول والنظم الصحية وفقا له، وهو مؤشر تجميعي لقدرة النظم الصحية على توفير المتطلبات الأساسية وتناسب أعداد الأسرة وأسرة الرعاية وأجهزة التنفس الصناعي والأطقم الصحية مع عدد السكان، وهنا فإن الدول المنتجة للمستلزمات الطبية والمصدرة لها قد تخرج منتصرة في الصراع ضد الوباء انتصارا مزدوجا بتزويد صادراتها وحضورها العالمي وبتقليل أضرار الوباء محليا.

إذن ورغم الهدوء النسبي في بعض الصراعات العسكرية التقليدية على إثر الجائحة فإن الصراعات بأدوات أخرى علمية ومالية استمرت بقدر كبير من التعقيد والتشابك، بما يهدد مقولات التعاون في مواجهة الأزمة، وبرغم استمرار الجائحة وموجتها الثانية العنيفة في ضرب العالم لا تزال صراعات محلية حول أساليب إدارتها وتغليب العلمي على الاعتبارات الاقتصادية البحتة أو التوفيق بين الخيارات والسيناريوهات المختلفة إلا أنه في البلدان التي حققت أداء أفضل في مواجهة الجائحة يظل العلم يلعب الدور الأكبر في هذه الأزمة سواء باعتبار الموضوع أو وأداوت إدارة الأزمة التي تعتمد بشكل كبير على تطورات النمذجة الاحصائية والمحاكاة لإعداد السيناريوهات وتقليل خسائر الأرواح والاقتصاد 

اظهر المزيد

Omar Samir

باحث في العلوم السياسية، حاصل على ماجستير في السياسة الخارجية والاقتصاد السياسي الدولي للثورة المصرية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة 2018، يعمل على قضايا الاقتصاد السياسي الدولي والسياسة الخارجية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد البديل والمؤسسات المالية الدولية والإصلاح المؤسسي، له العديد من الدراسات وأوراق التوصية المنشورة حول هذه الموضوعات ويكتب مقالات لبعض المواقع الإليكترونية مثل البديل ومدى مصر وبالأحمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى