سياسة

إشكالية العلاقة بين الشرطة والملونين في الولايات المتحدة- الجذور والتطورات

ممدوح قليد

 في الجزء الأول من موضوعنا حول العلاقة الإشكالية بين الشرطة والملونين عرضنا لحادثة مقتل جورج فلويد باعتبارها حدثا متكررا في تلك العلاقة الإشكالية بين شرطة الولايات الأمريكية والسود وبعض الحوادث التي قادت لاحتجاجات قوية ضد هذا السجل العنصري السئ للشرطة الأمريكية والتي كانت بمثابة علامات فارقة في علاقة الشرطة والملونين، وفي هذا الموضوع سنحاول في عجالة فهم جذور وأسباب مشكلة الملونين وبصفة خاصة المواطنين من أصول أفريقية في الولايات المتحدة و ما يتعرضون له من عنف بالغ من قبل الشرطة و سنتعرض أيضا لمعظم أنواع التمييز والتهميش في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية وغيرها

موجز تاريخي تحرير العبيد بتكلفة بشرية عالية وحرب أهلية :

اكتشفت القارة الأمريكية في أواخر القرن الخامس عشر وتدفق المستوطنين الأوروبيين للقارة المكتشفة حديثا دافعين السكان الأصليين إلى الأطراف ومع التوسع في استصلاح الأراضي وزراعة المحاصيل الأقتصادية مثل القطن والتبغ والذرة ازدادت الحاجة إلي أيدي عاملة وبدأ استجلاب الأفارقة أو بمعنى أدق خطفهم من سواحل الغرب الأفريقي خلال القرنين السابع والثامن عشر، بالتحديد يعتبر عام ١٦١٩ هو نقطة البداية عندما وصل عشرون عبدا افريقيا لمستعمرة جيمس تاون-فيرجينيا بعد خطفهم من سفينة برتغالية! طوال فترة الاحتلال البريطاني حتى حرب الاستقلال، تركز وجود العبيد الافارقة في المقام الأول في الجنوب (ما سيصبح لاحقا الولايات الجنوبية). 

وفقا للقاعدة التاريخية لبيانات الولايات المتحدة الأمريكية كان العبيد يشكلون أقل من عُشر مجموع سكان الجنوب في عام ١٦٨٠ ووصل إلى ثلث سكان الجنوب عام ١٧٩٠، وتربعت فرجينيا على عرش الاستعباد حيث كان يعيش فيها ما يقرب من ٢٩٣ ألف عبد بنسبة تصل إلي ٤٢ في المائة من جميع العبيد في الولايات المتحدة في ذلك الوقت. وأكثر من ١٠٠ ألف عبد في كل من  كارولينا الشمالية والجنوبية وماريلاند. بعد الثورة الأمريكية زاد عدد العبيد في الجنوب حتى وصل إلي ١.١ مليون نسمة في عام ١٨١٠ واستمر في الزيادة المطردة حتى وصل إلي ٣.٩ مليون في عام ١٨٦٠ بينما بلغ عدد البيض أكثر من ٨ مليون نسمة قبيل اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية في ١٨٦٢.

أعلنت المستعمرات البريطانية الثلاث عشر الاصلية استقلالها سنة ١٧٧٦ وتجاهل واضعو الدستور الذي بدأ العمل به في ٤ مارس ١٧٨٩ والذي ينص على أن “كل البشر خلقوا متساوين” طلب توماس جيفرسون (رغم امتلاكه هو نفسه لبعض العبيد) النص على تحرير العبيد في الدستور بحجة الخوف من انهيار الاقتصاد، حيث كانت الولايات الشمالية ذات الاقتصاد المعتمد أساسا على الصناعة تكاد تخلو من العبيد تماما وتناهض الرق في الولايات الجنوبية الزراعية وتطالب بالغائه على وجه السرعة بينما أصر الجنوب على ذلك بحجة الحاجة إلى الأيدي العاملة  في مزارع التبغ والقطن.

قام الرئيس ابراهام لنكولن بإعلان تحرير العبيد في الولايات المتحدة على أثر ذلك انشقت الولايات الجنوبية واندلعت الحرب الاهلية الأمريكية وفي النهاية هزمت الولايات الجنوبية بعد أن كلفت الولايات المتحدة أكثر من ٦٠٠ ألف قتيل وتم تحرير العبيد، بعد نضال مكلف ممتد لقرابة قرنين من الزمان إلا أن الممارسات العنصرية لم تزل متجذرة في بعض المؤسسات السياسية والأمنية.

قوانين جيم كرو تقنين العنصرية والالتفاف على حقوق السود:

التفت الولايات الجنوبية على مكتسبات العبيد المحررين وتمكنت من إجهاضها بتطبيق قوانين عنصرية من حيث الجوهر تعرف بقوانين جيم كرو شملت بعض أمثلة قوانين جيم كرو الفصل في المدارس الحكومية، الأماكن العامة، والنقل العام، والفصل في المراحيض العامة

لافتة تشير إلى دورات مياه مخصصة للبيض  فقط خلال حقبة تطبيق قوانين جيم كرو في الولايات الجنوبية.

  وكذلك قاعات الرياضة والنوادي الاجتماعية والمطاعم، نوافير الشرب، بين البيض والسود!

لافتة تشير إلى نوافير مياه للبيض   وأخرى في اتجاه مختلف السود خلال حقبة تطبيق قوانين جيم كرو في الولايات الجنوبية.

 وكذلك كان هناك فصل في العسكرية الأمريكية، مما أدى إلى هجرة عدد كبير منهم للشمال ظلت هذه القوانين سيئة السمعة وًالتى تفرض العزل أو الانفصال التام بين الأعراق segregation وظلت سائدة حتى تمكنت حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينج في ستينات القرن العشرين من الغائها. ومع الأسف مازال المناخ العام والمزاج الشعبي في الولايات الجنوبية لا يتقبل الملونين والمهاجرين بسهولة ومعظم الأحياء تكاد تخلو من التنوع العرقي ومازالت صورة الأمريكي الحقيقي في الفلكلور الجنوبي هو ال “واسب”  WASP وهو اختصار جملة White Anglo Saxon Protestant أي الأبيض البروتستانتي من أصل أنجلو ساكسوني (بريطاني – اسكتلندي) مستبعدا حتى الأوربيين من أتباع المذهب الكاثوليكي أو الأرثوذكسي.

الوضع الراهن للأمريكيين من أصول أفريقية تأصيل التفاوت:

١- التعليم وًالوظائف

في الأحياء التي تقطنها أغلبية من الأقليات (أصول أفريقية ولاتينية و مهاجرين) و يطلق عليه سكانها لفظ ال Ghetto (الاحياء القديمة المقصورة على اليهود دون غيرهم) على سبيل السخرية مازلت المدارس تعاني من نقص الاجهزة التعليمية المتطورة والمدرسين الأكفاء، تحاول الولايات تعويض هذا النقص بقدر الإمكان لكن مازالت الجهود والأموال المخصصة أقل مما ينبغي. في عام ٢٠١٤ على سبيل المثال بلغت نسبة التخرج من المدارس الثانوية بالنسبة للبيض ٨٧٪؜ و حوالي ٧٤٪؜ بالنسبة للسود بالاضافة إلى فرق كبير في مجموع الدرجات وفقا للمركز الوطني للتعليم في الأغلب يذهب خريج المدرسة الثانوية بهذه الأحياء إلى كلية أقل مستوى من تلك التى يذهب إليها البيض باستثناء المتفوقين الذين يحصلون على منح دراسية سخية وهنا أيضا لا يمكننا إنكار الكثير من التسهيلات التى تقدمها بعض الكليات المرموقة للأقليات وأبناء المهاجرين في محاولة لتصحيح الأوضاع المتوارثة.

يعاني السود من تمييز في فرص العمل ولا سيما في المجالات المرموقة ذات الدخل المتميز مثل شركات الاستثمار والمضاربات والبنوك وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتوجد بيانات عن نسبة الردود المنخفضة على طلبات التقدم للوظائف إذا كان اسم المتقدم يوحي بلونه! أو عند التعرف على لهجته في المحادثات التليفونية! كما يتضح في الشكل أدناه للفترة من ١٩٩٠-٢٠٠٠ (مأخوذ من من تقرير أصدره مكتب الإحصاءات عن بيانات العمل).

اللون الأزرق يمثل البيض (من غير ذوي الأصول اللاتينية )

اللون الأحمر يمثل ذوي الأصول الأفريقية 

اللون الأسود يمثل ذوي الأصول اللاتينية (المكسيك وأمريكا الوسطى والجنوبية).

وإذا كنا لا نستطيع إنكار حدوث تحسن في هذا المجال أيضا (مع الأخذ في الاعتبار أن الأرقام التالية لا تفرق بين الوظائف المتدنية والمتوسطة والعليا) لسنوات طويلة كان مستوى البطالة لدى الأمريكيين من أصول أفريقية أكثر من ضعف مثيله لدى البيض بدأ الفارق يتقلص حتى وصل في ٢٠١٩ إلى أدنى حد مسجل له منذ عقود فوصل ٣.١٪؜ البيض و ٥.٨٪؜ بين السود.

تسببت جائحة فيروس الكوفيد ١٩ في ركود اقتصادي شديد بالولايات المتحدة وعادة في فترات الركود تزداد الفجوة بشدة بين البيض والسود في فرص العمل لكن هذا لم يحدث هذه المرة فبلغت نسبة البطالة لدى البيض ١٤.٢٪؜ وحوالي ١٦.٧٪؜ لدى السود في أبريل ٢٠٢٠.

٢- تزايد حدة التفاوت في الدخل والثروة

متوسط الدخل لدى العائلات الامريكية من أصل أفريقي يقل كثيرا عن البيض (ذوي الأصل الاوروبي ويستثنى منهم البيض ذوي الأصول اللاتينية) فهو بالنسبة للسود حوالي ٤١ ألف دولار سنويا بينما يصل في العائلات البيضاء ل ٧١ ألف دولار سنويا طبقا لتقديرات مكتب الإحصاء الفيدرالي سنة ٢٠١٨  وكذلك بالنسبة للثروة أو المدخرات فهى تشكل لدى السود عشر ما تراكم لدى العائلات البيضاء.

٣- الرعاية الصحية السود والفقراء يتحملون عبئا أكبر  للمرض:

تضافرت عوامل البطالة والفقر ونوعية الوظائف في حرمان عدد كبير من الأمريكيين من أصل أفريقي من التأمين الصحي الجيد ولابد من تذكرة القارئ أنه لا يوجد تأمين صحي شامل للمواطنين في الولايات المتحدة بل توجد برامج للمساعدة Medicaid ومساعدات من الولايات (معظمها من الولايات التي يحكمها الديمقراطيون) والجمعيات الخيرية تقدم لذوي الدخل المنخفض بعد تقديم ما يثبت ذلك والاطلاع على ملفات الضرائب وغيرها. بالطبع يتمتع من يعمل بالقطاع الحكومي أو لدى الولاية أو المدينة أو شركة خاصة بوظيفة متوسطة أو عليا على تأمين صحي خاص متميز مقابل مشاركة شهرية  ولما كانت نسبة ذوي الأصول الأفريقية أقل في هذه القطاعات فهم بالكاد يحصلون على تأمين دون المستوى أو لا يحصلون عليه اطلاقا.

يضطر الفقراء من الملونين لاستهلاك الطعام غير الصحي واللحوم المصنعة الرخيصة أو ما يسمى بال junk food مما يؤدي لتفشي السمنة وارتفاع ضغط الدم والسكري من النوع الثاني بنسبة أعلى بكثير من البيض وبالتالي فهم أكثر عرضة للاصابة بـ وباء الكورونا  المستجد covid 19 ويشكلون نسبة عالية من الوفيات (٢٣٪؜) تفوق نسبة تواجدهم في المجتمع (١٣٪؜).

يظهر الشكل أعلاه أن نسبة المحرومين من التأمين الصحي في الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية تكاد تصل إلي ضعف النسبة لدى البيض.

بينما يمثل السود حوالي ١٣٪؜ من السكان فقط  لكنهم يمثلون ٢٣٪؜ من الوفيات الناتجة عن جائحة الكورونا كوفيد ١٩.

٤- التفرقة في العقوبات القانونية

يعتبر تعاطي المخدرات وحيازتها بكميات للاستهلاك الشخصي جنحة في قوانين العديد من الولايات وفي بعض الاحيان قد يتغاضى رجل الشرطة عن حيازة بسيطة أو حتى تدخين لفافة ماريجوانا في الطريق العام. لكن تجدر ملاحظة أن المواطنيين الأمريكيين من أصل أفريقي أكثر عرضة لتلقى عقوبة أقسى من البيض على نفس المخالفة! قد تتجاهل الشرطة بلاغات عن تعاطي المواطن الأبيض الثري للمخدرات القوية مثل الكوكايين والهيروين في حي الماس أو وول ستريت (حي المال والأعمال بنيويورك) بينما تقبض على الشخص ذو البشرة الداكنة لحيازته كمية بسيطة من نبات الماريجوانا مما يعرض السود لدخول السجن بنسبة تزيد ثلاثة مرات عن البيض.

هناك أوجه أخرى من التفرقة لم نناقشها في هذا المقال لضيق المجال مثل الإسكان والتباطؤ في تحسين المرافق والخدمات في الأحياء ذات الأغلبية السوداء وشيوع التنمر ضد السود على المستوى الشعبي وغير ذلك؛ ومن الإنصاف عدم إنكار الجهود التى تبذلها السلطات الفيدرالية وفي الولايات لتحسين الأوضاع  فعلى سبيل المثال في مدينة نيويورك يمكن للمواطن الذي يتعرض للتنمر أو المعاملة السيئة بسبب اللون أو الدين أو الزي الاتصال برقم هاتف مخصص للإبلاغ عن هذه المخالفات فورا، كما تشجع وتساعد أقسام العمل في كافة الولايات الملونين والأقليات على الحصول على وظائف مناسبة وتقدم لهم دراسات مجانية في مجالات متعددة لتطوير أنفسهم بدلا من الاعتماد على مخصصات المساعدة الهزيلة من قسائم الطعام المجانية وإعانات السكن والإعانات النقدية…ولكن مازال الطريق إلى المساواة الكاملة طويلا.

وتبقى الاحتجاجات المتكررة على كل حادثة عنف من قبل الشرطة تجاه الملونين هي نتاج لتلك التراكمات وهذا المركب من العوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية الأكثر عمقا من دائرة الحقوق والحريات السياسية والمدنية الفردية وإن كان غير منفصل عنها، وهذه الاحتجاجات وإن لم تحدث تغييرا سياسيا كبيرا إلا أنها تنتج ما يشبه التيار العام الرافض للممارسات التمييزية ضد السود والمهاجرين والأقليات وتقود لمزيد من تعزيز حقوقهم بكافة اشكالها.

ملاحظة ١: في هذا المقال قد نستخدم كلمة “الملونين” بدون أدنى معنى سلبي أو عنصري و إنما  بغرض وصف ذوي الأصول الأفريقية.

ملاحظة ٢: يستخدم لفظ العبيد في الدراسات التاريخية والأكاديمية الأمريكية في إطار الحديث عن العبودية و تجارة العبيد و تحرير العبيد، بعد إعلان لنكولن تحرير العبيد اختفت كلمة العبد واستمر استعمال كلمة زنجي Nigger بالرغم من أنها مهينة ethnic slur و في هذا السياق نتذكر مقولة شائعة منسوبة (مع بعض الشك في النص الحرفي) الملاكم العالمي المحبوب محمد علي كلاي عام ١٩٦٨ إبان حرب فيتنام مبررا رفضه للتجنيد “لم يحدث أبدا أن دعاني فيتنامي بالزنجي”

 No Vietcong ever called me nigger و بعد فترة زمنية خففت كلمة “زنجي” المهينة للغاية إلى أسود Black  وهي  كلمة مقبولة ولا تحمل أي إهانة في المحادثات العادية لكن في الكتابات الرسمية و الصحفية والأكاديمية أصبحت تستعمل كلمة أمريكي من أصول افريقية African American، والسود يستخدمون كلمة Nigger الممنوعة بينهم على نطاق واسع كدعابة بمعنى “صديقي” لكنها لا تجوز اطلاقا و قد تتسبب في عنف بين أسود و عرق آخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى