سياسة

اتهامات متبادلة .. جائحة كورونا ما بين التنين الأصفر والعم سام

فرناز عطية

بدأت مرحلة جديدة من السجال بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية؛ وتعد هذه المرحلة هي امتدادًا لمرحلة توتر العلاقات بين البلدين والتي بدأت مع وصول الرئيس ترامب إلى السلطة في نهاية عام 2016. اندلعت هذه المرحلة بسبب التوسع التجاري لبكين ومحاولات واشنطن التصدي لهذا التوسع، لاسيما وأن الأمر ازداد تعقيدًا على خلفية تفشي أزمة كورونا “الفيروس المستجد covid 19″، خاصة مع كون الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من بين الدول الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، مما دفع بالعلاقات الأمريكية الصينية للدخول في دائرة التصعيد، والحروب الكلامية والإعلامية.

تبادل الاتهامات:

بالرغم من أن الدولتين كلاهما طرفاً في الاتفاقية الدولية للأسلحة البيولوجية، إلا أن كل منهما يشير بأصابع الاتهام للآخر.

الموقف الصيني والاتهام الاستباقي للولايات المتحدة:

في مارس 2020 بعد تفشي المرض في الصين ذكر “تشاو لي جيان” المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أن بداية ظهور الفيروس كانت في مدينة “ووهان” الصينية، والتي أقيمت فيها دورة الألعاب العسكرية العالمية في أكتوبر 2019 وتواجد بها نحو 10آلاف عسكري من بينهم جُنود أمريكيون متهمون بإدخال الفيروس وانتشاره فيما بعد من خلال الخفافيش والحيوانات الموجودة في سوق المدينة، كما ذكر أن هناك إثباتات تؤكّد أنّ هذا الفيروس تمّ اختِراعه وتطويره من قبل عُلماء أمريكيين عام 2015. 

وانتقدت بكين موقف واشنطن من منظمة الصحة العالمية ودعتها للوفاء بالتزاماتها مع المنظمة الأممية في هذه المرحلة الحرجة مؤكدة على الاستمرار في دعم المنظمة وتقديم العون لها.  

ويمكن حصر مبررات الموقف الصيني في الاتي:

  1. ما نشرته مجلة Nature Medicine الأمريكيّة في عدد لها في عام 2015، وهو بحثًاً يؤكد أنّ عُلماء في الولايات المتحدة تمكّنوا من الحُصول على نوعٍ جديدٍ من فيروس كورونا له تأثيرٌ خطيرٌ على الإنسان.
  2. العرض المالي المغري الذي قدمه ترامب للشركة الألمانية كيور فاك لنقلها إلى الولايات المتحدة، واحتكار نتائجها المعملية الطبية تحسبًا لإنتاج لقاح أو دواء لعلاج الفيروس، وهو ما أكده وزير الداخليّة الألماني “هورست زيهوفر”.
  3. رغبة الولايات المتحدة في توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الصيني، مما يؤدي لتراجعه وعجزه عن منافسة نظيره الأمريكيّ المهيمن على الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، لاسيما مع سعي الصين الدؤوب لإنشاء طريقِ الحرير، ونظام مالي بديل يُنهِي هيمنة الدولار، خاصة وأن الاتفاق التجاري الجزئي المبرم بينهما مؤخرًا لم يحل الخلافات التجارية بين البلدين.
  4. الصين أضحت أحد بواعث القلق لدى الولايات المتحدة الأمريكية لاسيما بعد بروزها كقوة عسكرية كبرى على المستوى الإقليمي في آسيا والمحيط الهادي، وسعيها للوصول للريادة عالميًا.
  5. استهداف مدينة ووهان المركز السياسي والاقتصادي والمالي والتجاري والثقافي والتعليمي لوسط الصين، حيث تتمتع بموقع استراتيجي متميز فهي نقطة التقاء محورين كبيرين هما: يانغتسي أطول نهر في آسيا الذي يعبرها من الغرب إلى الشرق، والمحور الشمالي الجنوبي بكين – هونغ كونغ، وتتكون من ثلاث مناطق تنموية وطنية، وأربعة مجمعات تطوير علمية وتكنولوجية، و بها أكثر من 350 معهدًا للأبحاث، و1,656 مؤسسة للتكنولوجيا الفائقة، والعديد من حاضنات المؤسسات إضافة لأهميتها الاقتصادية حيث تتوسط مراكز الصناعات المعدنية إذ تصمم فيها 60% من سكك الحديد للقطارات السريعة، وتضم استثمارات من 230 شركة عالمية، وتصنف كمدينة “بيتا” العالم من قبل شبكة أبحاث المدن والعولمة.
  6. صرف الانتباه عن فشل إجراءات الإدارة الأمريكية في كبح الانتشار المستمر للفيروس.
  7. تسييس الأزمة واستثمارها من خلال إلقاء اللوم على الصين لدواع انتخابية بهدف زيادة شعبية ترامب.
  8. إعلان منظمة الصحة العالمية أنها لم تجد دليلاً يثبت إنتاج الفيروس في أحد المعامل الصينية.

ثانيا-موقف الولايات المتحدة الأمريكية:

في المقابل أطلق الرئيس الأمريكي ترامب مسمى “الفيروس الصيني” على الفيروس المستجد في إشارة إلى تورط الصين في نشأة وانتشار هذا المرض، واستدعت وزارة الخارجية الأمريكية السفير الصيني في الولايات المتحدة للاحتجاج على تعليقات المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، كما أمر ترامب إدارته بأن تعلّق دفع المساهمة المالية في منظمة الصحة العالمية بسبب سوء إدارتها للأزمة واتهمها بالتحيز للصين خاصةً أنها استندت إلى التحقيقات الأولية الصينية، لتعلن في  11 يناير 2020 أن الفيروس لا ينتقل بين البشر مما فاقم الوضع، ويذكر أن الولايات المتحدة تعتبر أكبر ممول للمنظمة فقد أمدتها بـ 400 مليون دولار عام 2019، أي ما يعادل 15 % من ميزانية المنظمة في مقابل 86 مليون دولار ساهمت بها الصين.

ويمكن تفهم مبررات موقف الولايات المتحدة الأمريكية من خلال:

  • حالة التعتيم التي مارسته الصين منذ بداية الأزمة حول ظهور الفيروس وكيفية انتشاره، إضافة إلى إسكات الأطباء الذين حذروا منه واعتقال بعضهم، وتدمير عينات الفيروس، والتلاعب في أرقام الوفيات، كذلك عدم تزويد الدول بالمعلومات الضرورية للمواجهة المبكرة، إضافة إلى عدم اتخاذ السلطات الصينية الإجراءات الوقائية اللازمة في بادئ الأمر.
  • الاشتباه في تسرب الفيروس من مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية الذي يبعد 20 ميلاً فقط من سوق المأكولات البحرية بالمدينة، لاسيما مع زيارة مسئولين أمريكيين قبل سنتين له وتأكيدهم عدم احترام المختبر لمعايير السلامة كما جاء في مقال لـ”جوش ريغن”، في “واشنطن بوست”، وقد ذكرت محطة “فوكس نيوز” أن أول إصابة بالفيروس كانت لبشري يعمل في مختبر ووهان، وانتقل بعده إلى ساكني المدينة، وأن السوق الذي اتهم بأنه مصدر للعدوى، لم يبع أبداً الخفافيش، بل هي محاولة لطمس الحقيقة.
  • سعي الصين للريادة الدولية بحيث تنفرد بتقديم الاستشارات والمساعدات لدول العالم المتضررة، وتصبح أكبر منتج للمستلزمات الطبية اللازمة كالأقنعة والملابس الواقية، ومصدر للمعلومات لكل الدول في كيفية التعامل مع الأزمة، ونموذج ناجح للخروج منها.
  • تخلص الصين مؤقتًا بفعل الأزمة من بعض القيود التي فرضها الاتفاق التجاري الجزئي الموقع مع الولايات المتحدة الأمريكية في يناير 2020. 
  • تحقيق مزيد من المكاسب الاقتصادية والتجارية خاصة مع بدء تعافي الاقتصاد الصيني وتخطي الأزمة في ظل حالة من الارتباك والخسائر الاقتصادية للعالم ككل.
  • استغلال وسائل التواصل الاجتماعي من خلال الحسابات مدفوعة الأجر لعمل دعاية سياسية ضد الولايات المتحدة الأمريكية ولصالح الصين فيما يخص نشأة وانتشار الفيروس.
  • تناقض الموقف الصيني وقت انتشار الفيروس في “ووهان” ففي الوقت الذي قيدت فيه حركة الصينيين داخل المدن الصينية سمح لهم بالانتقال من الصين إلى جميع أنحاء العالم مع معرفة السلطات الصينية التامة بطبيعة الفيروس واحتمال حضانتهم له. 

تداعيات ما بعد الأزمة:

بالرغم من أنه لم يثبت رسميًا حتى الآن تورط أيًا من البلدين في تخليق فيروس كورونا أو التسبب في نشأته إلا أن هناك عدد من التساؤلات وعلامات الاستفهام التي تتعلق بتعامل كلا البلدين مع الأزمة سواءً ما قامت به السلطات جمهورية الصين الشعبية من عمليات تعتيم  واضحة في بداية تعاملها مع الأزمة، أو على الجانب الآخر تجاهل الرئيس الأمريكي لتقارير المخابرات الأمريكية التي حذرت من الفيروس قبل تفشيه ودعت إلى اتخاذ تدابير عاجلة لتدارك الأمر قبل أن يخرج عن السيطرة، غير أن ترامب لم يلقي بال لهذه التقارير ووصف المخابرات بـ”الدولة العميقة”.

وبالتالي فإن هذه الأزمة كشفت النقاب عن عدد من التداعيات التي يعد من أبرزها:

  • اهتزاز الصورة الذهنية الخاصة بالغرب عامةً والولايات المتحدة خاصة، حيث أبرزت الأزمة هشاشة تلك الأنظمة وأفقدتها الكثير من وضعها وقوتها الناعمة، مما ينبأ بتراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية عالميًا وعدم قدرتها على التفرد بالريادة العالمية فيما بعد الأزمة، حيث افتقدت أهم عناصر الريادة الدولية المتمثلة في: جودة الحكم، وتسهيل تزويد العالم باحتياجاته، والقدرة على حشد وتنسيق الاستجابات الدولية للأزمات.
  • صعود الصين عالميًا، حيث أكد صندوق النقد الدولي استئناف الشركات الصينية الأكبر حجمًا نشاطها الاقتصادي بعد قدرتها على تخطي جائحة كورونا، وتقديمها المساعدات للدول المنكوبة، كما توقع تقرير معهد التمويل العالمي أن ينمو الاقتصاد الصيني بنحو 3% ليلعب دورًا هامًا في إنقاذ الاقتصاد العالمي من براثن الركود، واتساع نفوذ الصين الاستراتيجي واحتمال لجوئها لتطويق النفوذ الأمريكي من خلال حلفائها في مبادرة “الحزام والطريق”، وذلك مشروطًا بعدم تورط الصين في نشأة الفيروس وانتشاره. 
  • ضعف البنية التحتية في الولايات المتحدة، لاسيما فيما يتعلق بقطاع الصحة حتى أنها عاجزة عن توفير الأقنعة والملابس الطبية الكافية، إضافة إلى تأزم الأوضاع الاقتصادية في الاقتصاد الأمريكي الذي كان ينتج حوالي 22% من إنتاج العالم تكبد أكبر الخسائر على مستوى العالم كما انهار تاريخيًا سعر الخام الأمريكي ليصل دون الصفر بسبب انخفاض الطلب عليه. 
  • إخفاق جهاز الاستخبارات الأمريكية في التوصل إلى معلومات حول حقيقة نشأة وانتشار الفيروس داخل الصين أو في العالم منذ بداية الأزمة حتى الآن، فقد قدم تكهنات بنيت على زيارة الخبراء أمريكيين عام 2017 لمختبر ووهان وأقروا أنه غير مستوفي لمعايير السلامة وبناء عليه تطالب السلطات الأمريكية الآن بإجراء تحقيقات مع الصين لمعرفة صحة هذا الأمر .   
  • احتدام التوتر بين بكين وواشنطن، حتى أنه يتوقع قيام ما يوصف بـ”حرب باردة عالية التقنية” بين الدولتين مما يؤثر بطبيعة الحال على دول العالم.
  • زعزعة الثقة في النيوليبرالية الغربية و فكرة الفردية ونمط الحياة القائم على تقديس الحرية الفردية. 

وإجمالاً يمكن القول بأن هناك سيناريوهين محتملين: إما أن يثبت تورط الصين في جائحة كورونا بما يعرضها لفرض عقوبات اقتصادية تعرقل صعودها الحالي ومحاولتها في استغلال الأزمة كي تتصدر المشهد، أو نكون أمام السيناريو الآخر الذي يتمثل في براءة الصين من تورطها في هذه الجائحة واضطراب الداخل الأمريكي أكثر وبالتالي مزيد من الصعود الصيني العالمي ويصبح التنافس على أشده مع الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث تعد هذه الأزمة بمثابة اختبار حقيقي للنظام الدولي السائد ولمدى قوة الأنظمة الحالية، ومدى قدرتها على الصمود في وجه تلك الأزمة بأبعادها المختلفة خاصة على المستوى الصحي والاقتصادي، وبالتالي فإن الدول التي ستنجح في تخطي الأزمة هي التي ستحافظ على مكانتها وتكون ضمن القوى الدولية في نظام ما بعد كورونا. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى