إقتصاد

اقتصاديات الحلال في أوروبا واتجاه الإسلاموية

ريم سليم

بدأ مصطلح الحلال في الاقتران بالاقتصاد داخل أوروبا منذ سبعينات القرن الماضي. ويشير الحلال إلى معالجة للأنشطة والمعاملات الاقتصادية بما يتلائم مع الشريعة الإسلامية بحيث يتمكن المسلمون في الدول غير الإسلامية من ممارستها. فتتسع اقتصاديات الحلال لتشمل أكثر من قطاع  مثل التمويل الحلال في إشارة للمعاملات المالية- والسياحة الحلال وتجارة الطعام الحلال والتي تشير إلى ذبح اللحوم على الطريقة الإسلامية.

وتعد تجارة اللحوم الحلال هي أكثر اقتصاديات الحلال انتشاراً. فتكتسب زخماً خاصاُ ليس فقط لأنها تشهد معدلات نمو عالية على جانبي العرض والطلب. ولكن كونها تنخرط في مواءمات سياسية واجتماعية. فمن ناحية يطالب المسلمون بحرية ممارسة المعاملات الاقتصادية وفقاً لشريعتهم. ومن ناحية أخرى تواجه المنشآت الاقتصادية العاملة في تجارة الحلال إتهامات أمنية بتمويلها للحركات الإرهابية، وأخرى سياسية كونها تحمل تمييزاً في التعامل بين مواطنين أوروبا على أساس الدين من شأنه أن يحدث انقسام.

نطاق اقتصاديات الحلال .

بصورة إجمالية يقدر إجمالي حجم اقتصاديات الحلال بما يزيد قليلاً عن 2 تريليون دولار- وذلك وفقاً للمركز الأوروبي للتصديق الحلال – و تبلغ الحصة الأوروبية حوالي 70 مليار يورو ، معظمها من قطاع إنتاج الغذاء. و تشمل قطاعات النمو الأخرى مستحضرات التجميل والصيدلة ونمط الحياة والملابس والخدمات مثل التمويل والسياحة. 

هذا ويشتق الطلب على أنشطة الاقتصاد الحلال في أوروبا  من عدد السكان المسلمين  بالإضافة إلى عدد المسافرين أو السياح المسلمين في أوروبا. وقد  ارتفعت نسبة السكان المسلمين في أوروبا من 1% عام 2010 إلى 5 % تقريباً عام 2016 حيث بلغ عددهم  حوالي 25 مليون، وذلك وفقاُ لمركز أبحاث “بيو“. غير أنهم يمثلون حصصاً أكبر من إجمالي السكان في بعض الدول الأوروبية.

وتذهب توقعات مركز أبحاث “بيو” أن يشهد عدد المسلمين في أوروبا تضاعفاً خلال السنوات القادمة وفقاً لثلاثة سيناريوهات. يذهب السيناريو الأول أن يصل عدد السكان المسلمين إلى 7.4% من إجمالي سكان أوروبا  عام 2050 وذلك في حال توقف الهجرة وهو سيناريو مستبعد. بينما يذهب السيناريو الثاني إلى ارتفاع نسبة السكان المسلمين لتصل إلى 11.2% عام 2050. أما الثالث فيتوقع أن  تصل إلى 14% بحلول عام 2050.

من المتوقع –طبقاً لمركز أبحاث “بيو” أن يكون عدد السكان المسلمين في المنطقة الأوروبية في عام 2030 أكثر من 10٪ من السكان في البلدان التالية وهي كوسوفو (93.5٪) ، ألبانيا (83.2٪) ، البوسنة والهرسك (42.7٪) ٪) ، جمهورية مقدونيا (40.3٪) ، الجبل الأسود (21.5٪) ، بلغاريا (15.7٪) ، روسيا (14.4٪) ، جورجيا (11.5٪) ، فرنسا (10.3٪) وبلجيكا (10.2٪). 

وفي سياق الطلب المتنامي على الأطعمة الحلال والمشتق من نمو عدد السكان والمسافرين المسلمين إلى أوروبا؛ تشير دراسة تسويقية إلى أن الطلب على المنتجات الحلال في أوروبا شهد متوسط معدل نمو سنوي مركب بلغ 15% في الفترة من 2003 إلى 2012.

أما على المستوي العالمي؛ فتشير بيانات تقرير المؤسسة الإحصائية Statista  إلى أن القيمة السوقية للأطعمة الحلال  بلغت حوالي 1.4 تريليون دولار أمريكي في عام 2017 ومن المتوقع أن تصل إلى 2.6 تريليون دولار أمريكي في عام 2023. كما تشير البيانات إلى أن سوق الحلال العالمي قادر حاليًا على استيعاب حوالي 21٪ من صناعة الأغذية العالمية بأكملها. 

تعد السياحة الحلال أيضاً أحد القطاعات المتشابكة أو المترابطة مع الأطعمة الحلال، حيث تقوم هذه السياحة على توفير أماكن إقامة سياحية متوافر بها تقديم الأطعمة الحلال سواء من خلال الفنادق أو المطاعم، ويشتق الطلب عليها من عدد المسافرين المسلمين والذي نما بنحو 30% منذ العام 2016.

وتتوقع دراسة مشتركة حديثة أجرتها Mastercard و Crescent Rating ، وهي مجموعة بحثية تتعقب السفر المناسب للمسلمين ، أن مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد العالمي “السياحة الحلال” ستقفز على مدى العقد المقبل إلى 300 مليار دولار مقابل 180 مليار دولار عام 2018.

 قنوات المال السياسي

في السنوات الأخيرة ومع تزايد الهجمات الإرهابية في أنحاء أوروبا تصاعدت الاتهامات الموجهة للمنشآت الاقتصادية المنتجة للأطعمة الحلال بتمويل الجماعات الإرهابية سواء المنتمية إلى الجهاديين أو إلى الإخوان المسلمين.

وعلى الرغم من تحرك ناشطين أوروبين ومجموعات سياسية للضغط من أجل إيقاف تجارة الأطعمة الحلال إلا أن التحقيقات الرسمية لم تثبت بعد أي تورط لتجار اللحوم الحلال بتمويل مباشر للحركات الإرهابية أو حركات الإسلام السياسي، ولم يصدر أي حكم قضائي يدين أي منها بعد. وتظل الاتهامات قائمة على تحقيقات استقصائية صحفية واسعة النطاق.

في حين يشير تقرير الإتحاد الأوروبي عن إتجاهات الإرهاب، الصادر في منتصف العام 2020، إلى أن تمويل حركات ” الجهاد الإسلامي” يقوم على عدة آليات منها التحويلات النقدية السائلة “كاش” عبر الحوالات البنكية، ومنها تحويلات الأموال الإلكترونية والاستثمار في العملات الالكترونية المشفرة، وكذلك عبر الشركات العائلية والأعمال التجارية القانونية التي تستخدم لنقل الأموال إلى الأفراد والجماعات الإرهابية، علاوة على حملات التبرع وجمع الأموال للأعمال الخيرية.

عادة ما يحاول المال السياسي أن يسلك قنوات تأثير أو انتقال غير مباشرة . وهنا يجدر بنا الإشارة إلى أن تجارة الأطعمة الحلال في أوروبا على وجه التحديد ما زالت تواجه تقلبات في إطارها التنظيمي والتشريعي  بالإضافة إلى تصاعد المعارضة السياسية ضدها. بما يفتح الباب لتسرب رقابي لعدد من المنشآت الاقتصادية ولتحويلات الأموال.

 فعلى سبيل المثال؛ في فرنسا  يوجد العديد من مصدري شهادات الحلال ، ويلتزم كل منهم بممارساته ومعاييره الخاصة ، على الرغم من أن جميعها تستند إلى مصادر دينية.

كما أن هناك مطاعم تبيع لحوماً على أنها حلال وهي ليست كذلك. بينما تقوم مطاعم أخرى بتقديم أطعمة حلال دون أن تعلم العملاء المستهلكين بذلك، حيث توصل تحقيق أجرته صحيفة “لندن ديلي ميل” إلى أن سلاسل المتاجر الكبرى ومطاعم الوجبات السريعة وحتى بعض المستشفيات والمدارس تقدم الطعام الحلال دون إخبار من يأكلونه.

وفي هذا الخضم المتشابك الذي يتم فيه إنتاج وتوزيع وطلب منتجات الأطعمة الحلال في أوروبا؛ يمكننا رصد ثلاثة قنوات معرضة لاستغلال المال السياسي بما يخدم مصالح الجماعات الإسلامية المتطرفة. وذلك على النحو التالي:

  • مراكز إصدار الشهادات الحلال.

كما سبقت الإشارة؛  فإن هناك العديد من الجهات في أوروبا تقوم بإصدار شهادة الحلال لمنتجات الأطعمة. وفي هذا السياق تقوم بعض القيادات في الجماعات الإرهابية بالسيطرة على عدد من هذه الجهات. فتشير تحقيقات صحفية إلى أن المركز الثقافي الإسلامي في جنيف، ومؤسسة ألمانيا الإسلامية “IGD”  ، والمجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا، وكذلك اتحاد الهيئات الإسلامية في إيطاليا (UCOII) تخضع لنفوذ جماعة الإخوان المسلمين.

  • الجمعيات الخيرية الإسلامية. 

أتُهمت قطر مؤخراً باستخدام مؤسسات خيرية لتمويل التطرف في أوروبا في فيلم وثائقي جديد أصدرته قناة آرتي بعنوان “صراع الأسهم”. ووفقًا للوثائق السرية التي تم الكشف عنها مؤخرًا ، والتي تتراوح بين الشيكات وتحويل الأموال إلى الرسائل والمراسلات الرسمية ، استخدمت مؤسسة قطر-الغير هادفة للربح والتي تأسست عام 1992- نفوذها لتمويل 140 مشروعًا في جميع أنحاء أوروبا ، كان معظمها مرتبطًا بطريقة أو بأخرى بجماعة الإخوان المسلمين. 

أشارت دراسة مؤخرة صدرت عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات إلى أن عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين أرتبطت بتأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإسلامية في أوروبا والتي تقوم بأعمال خيرية عدة، ومنها لمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا،المجلس الإسلامي في ميونيخ، والمجلس الأعلى للشباب المسلم في ألمانيا.

  • رجال الأعمال السياسيين. 

يعتمد التمويل الإرهابي في أحيان كثيرة على ثروات ودخول الأفراد، حيث يقوم قيادات من الجماعات الإسلامية بتأسيس وإدارة أعمال تجارية مشروعة ومنها تجارة اللحوم الحلال.

وفي هذا السياق؛ أجرى  الصحفي والكاتب الفرنسي ألكسندر ديل فالي تحقيق استقصائي في كيفية محاولة الإخوان المسلمين للسيطرة على صناعة الأغذية الحلال في فرنسا . وأوضح أن “ما يقرب من 60 بالمائة من الطعام الحلال تخضع لسيطرة منظمات تنتمي للإخوان المسلمين.

استجابات مختلفة

أدى تصاعد الأزمة والممثلة في الاتهامات الموجهة إلى تجارة اللحوم الحلال بتمويل الإرهاب إلى ردود أفعال مختلفة تهدف إلى الاستجابة للأزمة من خلال السيطرة والرقابة على تجارة الحلال في أوروبا.  فاقترح المجلس الإسلامي في فرنسا على الحكومة الفرنسية أن يتم فرض ضريبة  طوعية على اللحوم الحلال، ومن ثم استخدامها في تمويل المساجد والأنشطة الإسلامية الخيرية تحت رقابة الدولة.

على جانب آخر تصاعدت حركة حقوقية في أوروبا تطالب – استناداً إلى القوانين الأوروبية-  بوقف الذبح الحلال كونه- وفقاً لإدعاءاتها- يسبب ألماً للحيوانات عند ذبحها.

بينما ظهرت استجابات متطرفة في دول أخرى فاقترحت حكومة إقليمية في النمسا مؤخرًا أن الأشخاص الذين يشترون لحوم حلال يجب أن يسجلوا لدى السلطات.  في حين فرضت بولندا حظراً على الذبح الحلال .

 وفي العام 2018 شنت عمدة يمين الوسط نيكول غويتا في ضاحية كولومبس بباريس حملة ضد المؤسسات الحلال ، مصرة على أن تلبي الشركات احتياجات جميع العملاء وليس قلة مختارة، حيث تم إجبار إحدى البقالات الصغيرة التي لا تبيع لحم الخنزير أو الكحول على الإغلاق.

ونهاية؛ فإن قطاع تجارة اللحوم الحلال يبدو واعداً من حيث الجدوى الاقتصادية وذلك وفقاً لعدد من شركات أبحاث السوق العالمية. حيث يتمتع هذا النشاط بطلب واسع ومتنامي في الوقت الراهن وعلى المدى الطويل، ما يجعله جاذب ومغري للمستثمرين ورواد الأعمال. 

في المقابل؛ فإن هذا النشاط محاط بمخاطر سياسية وأمنية عالية  والتي يقابلها إطار تنظيمي غير محكم أو فاعل بالإضافة إلى تصاعد رفض مجتمعي له. 

وعليه؛  فمن المرجح أن تشهد الأيام القادمة مفاوضات وخطوات أكثر جدية للتنسيق بين رؤوس أموال هذا القطاع والشركات العاملة به، وبين الحكومات الأوروبية بما يحكم الرقابة على استخدامات أموال هذه الشركات. 

اظهر المزيد

Reem Sleem

باحثة اقتصادية متخصصة في الاقتصاد الكلي والاقتصاد السياسي واقتصاديات التنمية، عملت بعدد من مراكز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومراكز الفكر، نُشرت لها مساهمات الدوربات والمواقع حاصلة على دبلومة دراسات جدوى من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ودبلومة دراسات اقتصادية من معهد البحوث العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى