سياسة

الإثنية، القومية، والإثيوبيانية: صراع المركز مع الأطراف

نادر هشام*

تتمثل القومية في كونها إجابة لسؤال ضمني هو: “كيف تفي الأمة بحاجتها إلى أن تكون مثالية وقوية”. حيث من خلال القومية تصاب الأُمة بنوبة تضخم الذات. وتصبح الأمة أكثر دوغماتية، وغير راغبة في التنازل، ويعم تمجيد الماضي للاستهلاك المحلي، وتعريض السكان للمصاعب الاقتصادية. استمد القوميون في إثيوبيا أيديولوجيتهم من مختلف التجارب السياسية والدينية والثقافية لإثيوبيا ، داخليًا وخارجيًا. وبالنسبة للقوميين، كانت ذكريات تمجيد الماضي والاستقلال والنصر على قوة استعمارية سابقة بمثابة جوهر الفكر القومي.

يحاول الخطاب السياسي القومي في إثيوبيا تجاوز التحديات السياسية التي تؤثر على الهوية الوطنية من خلال تذكر الماضي. إعادة التأكيد على التاريخ “المشترك”. لكن هذا “التاريخ المشترك” ليس بديهيا حيث توجد قوميات عرقية في إثيوبيا. هناك عدم ثقة بين مجموعات عرقية مختلفة مثل أورومو، تيغراي، أمهرة إلخ. وحاول منغستو هايلي مريام، الرئيس الإثيوبي الأسبق، التغلب على هذا عن طريق قمعه، في حين تحاول الجبهة الشعبية الديمقراطية الإثيوبية(جشدا) التغلب عليه من خلال النظام الفيدرالي المبني على التوزيعات الإثنية. ولهذا السبب، يعتبر العديد من القوميين الإثيوبيين حكومة جشدا بما في ذلك النخب الحضرية الأمهرية، غير وطنية. يتهم القوميين القيادة الحالية بتسييرها تلك القومية العرقية في إثيوبيا.

يحاول العديد من القوميين في إثيوبيا حشد جميع الإثيوبيين للتغلب على القومية العرقية، وإعادة تنشيط القومية الشعبية الدائمة وتسخير القومية الشاملة في مواجهة العدوان الخارجي. وقد نجح هذا المشروع خلال الحرب ضد إريتريا. لكن القومية العرقية لا يمكن تحويلها بسهولة إلى قومية شعبية دائمة. حيث فقط إذا كان هناك عدوان من الخارج يمكن تحقيق ذلك بسهولة، تمامًا كما أظهر الصراع مع إريتريا. ومع ذلك، فإن هذه التعبئة والحشد لقومية الطوارئ الشاملة لها تأثير سلبي على محاولات الحل السلمي للصراعات.

وعليه، نحاول  في هذا الموضوع تفكيك المفاهيم المتعلقة بالإثنية، والقومية الشاملة، والإثيوبيانية والتداخل بينهما. والإجابة على سؤال ما إذا كانت إثيوبيا دولة ذات تراكم تاريخي وثقل حضاري كما تقول الروايات القومية، أم أنها دولة حديثة نشأت إصطناعيًا وأن الشكل المعاصر لها مجرد نتاج لعملية اندماج وطني كالتي مرت بها بلدان إفريقية أُخرى في مرحلة ما بعد الإستقلال، وفهم علاقة ذلك بالنظام السياسي الفيدرالي المبني على التوزيع العرقي.

الإثيوبيانية: هل تُشكل إثيوبيا حالة وخطاب لأفارقة الشتات ؟

تتبع الروايات التاريخية في القرن الحادي والعشرين لإثيوبيا الحديثة الأحداث الرئيسية لحضارة أفريقية قديمة انخرطت في المجتمع الدولي حيث ساعدت المقومات الثقافية والسياسية والدينية القوية في تشكيل وتطور دولة قومية مهمة، وكذلك مهيأة لمواجهة أزمات العصر الحديث. لا شك في أن مفهوم القارئ الحديث عن إثيوبيا تم تشكيله من خلال قصص الحروب والكوارث الطبيعية بما في ذلك أزمة المجاعة الأخيرة. ولكن في الواقع، يمتد تاريخ إثيوبيا إلى العصور القديمة، مع إشارات إلى إثيوبيا في الكتاب المقدس والأدب اليوناني الكلاسيكي. وفي وقت لاحق، بين عامي 1855 و 1974، شهدت الدولة أحداثًا بلغت ذروتها في ظهور دولة بيروقراطية مركزية حديثة. وإلى جانب هايتي وليبيريا، حافظت إثيوبيا على مكانتها كواحدة من الدول السمراء المستقلة الثلاثة، وباستثناء احتلال إيطاليا لمدة خمس سنوات تحت حكم بنيتو موسوليني، نجحت في الدفاع عن نفسها ضد الاستعمار الأوروبي لأفريقيا.

تظهر إثيوبيا بشكل بارز في أيقونية التطور الثقافي والديني والسياسي للعصر الكلاسيكي والحديث، وبالتالي فهي أرض خصبة للمهتمين بأفريقيا القديمة والحديثة. وتتمتع إثيوبيا بأهمية ثقافية عميقة لأفارقة الشتات والمهجر كونها واحدة من أقدم جمهوريات العالم التي قدمت إسهامًا مثاليًا لحلم استقلال السود في جميع أنحاء العالم. وفي الواقع، ظهر اسم إثيوبيا كمصطلح شبه عام وشامل لذوي البشرة السمراء في السرديات الغربية، بما في ذلك أدب شكسبير.

وفي القرون اللاحقة، تم استخدام نبوءات عن كيفية اتصال إثيوبيا بالله بشكل شائع كشعار ملازم للحركة التبشيرية الأوروبية لدعم الجهود لتحويل أفريقيا إلى المسيحية. ونتيجة لذلك، يمكن للمسيحيين الأفارقة أن يستحضروا إثيوبيا بسهولة كرمز للهوية وأن يحتضنوا بسهولة الإثيوبية كحركة فكرية للقومية الدينية. ولهذه الأسباب، جاء الإرث الثقافي الإثيوبي ليجسد مفاهيم الحرية للسود والأمة السوداء المستقلة، وأثرت على أجيال من المثقفين السود البارزين في العالم الجديد.

القومية الشاملة وإعادة اختراعها؟

عند مناقشة القومية لابد من التركيز على جانبين مهمين: الدور الذي تلعبه المنطقة عندما يتم تعبئة السكان وكيف يستهلك الإنفاق العسكري موارد قيمة. على سبيل المثال، أنفقت إثيوبيا 2.9 مليار دولار أمريكي بين عامي 1998 و 2000 خلال الحرب  ضد إريتريا بينما كان الملايين يعانون من الجوع المزمن الحاد والأمراض والفقر. لذلك يحاول المقال في الفقرات التالية العرض لنوعين من القومية في إثيوبيا وديناميكيات الخطاب السياسي في كلًا منهما.

أولًا: القومية العرقية: تنطوي القومية العرقية على تعبئة الفرد والجماعات العرقية ضد التهميش من قبل مجموعة عرقية أُخرى. وقد قامت جبهة تحرير أورومو (OLF) بذلك. ويفعل الأونواك الشيء نفسه. تقوم مجموعات عرقية مختلفة بتعبئة الجماعات العرقية المهمشة للقتال ضد ما يسمونه “هيمنة التيجريين”. وعلى سبيل المثال، خاطب الأنواك مجتمع الأورومو في ولاية مينيسوتا في إبريل 2007 قائلاً “إذا كان التيجريين متحدون، لماذا لا نفعل نحن أيضًا ذلك؟”.

ظهرت القومية العرقية مباشرة بعد تولي الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي (جشدا) السلطة في عام 1991. وحدثت بعض الصراعات العنيفة بين الأعراق في إثيوبيا بين سورما وديزي وشكا وبينش ماجي وبورانا وغوجي وأنواك ونوير وبين الصومالي من جهة، وعفار وأورومو من جهة أخرى. في أواخر عام 2003، في ولاية غامبيلا، اندلع صراع بين النوير وأنواك وسكان المرتفعات أدى إلى مقتل ما لا يقل عن ستين شخصًا وتشريد أكثر من 9000. تسعى جبهة تحرير أوغادين الوطنية (ONLF) وجبهة تحرير أوروما، بدعم من إريتريا ، إلى الاستقلال القومي العرقي أو الاستقلال الذاتي. ومنذ تأسيسها في عام 1984، تقاتل الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين (ONLF) ضد الحكومة الإثيوبية، التي تقول إنها تهمش منطقة أوغادين. وقُتل في أبريل 2007، 65 إثيوبياً وتسعة عمال نفط صينيين في المنطقة. لقد جلب اكتشاف الغاز والنفط آمالًا جديدة وساعد أيضًا في تأجيج الصراع. 

و حتى إذا ادعت الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية (جشدا) أنها منظمة سياسية شاملة لكافة الشعب الإثيوبي، فمن الواضح أنها تحت سيطرة التيجراي. وقد أدى هذا إلى تنافس خطير بين الأمهرة (مجموعة عرقية هيمنت على التاريخ الإثيوبي لقرون) وبين التيجراي، وزاد من استياء الأمهرة وأورومو. إن أمهرة مستاءة بسبب القوة السياسية التي فقدوها، وأورومو ساخطون بسبب تهميشهم المستمر على الرغم من أنهم يشكلون غالبية المجموعة العرقية في إثيوبيا. ويمكن ملاحظة الديناميكية التصاعدية القائلة بأن: كلما زاد الاستياء العام، كلما زاد إنحسار السياسة الإثيوبية؛ وكلما ازدادت التجارة، أصبحت المجموعات العرقية الأخرى أكثر استياءًا.

وتعد إثنية الأورومو أكبر مجموعة عرقية في البلاد، محرومة ،وعلى الرغم من ذلك فهي تعاني من الحرمان والتهميش كباقي المجموعات. حتى أن النخبة الأورومية في الحكومة الإثيوبية لها نفس الإدعاء.

ثانيًا: القومية الشاملة (قومية الطوارئ)

وأعني هنا بقومية الطوارئ الشاملة شكلاً من أشكال القومية التي تظهر في حالات العدوان الأجنبي حيث يحدث الإصطفاف بين الحكومة والمعارضة والشعب. في القومية الطارئة الشاملة، لن يتم حسم المواجهة بين النظام والمعارضة القومية، ولكن سيتم تأجيلها. وفي الصراع بين إريتريا وإثيوبيا بين عامي 1998 و 2000، تصدر التجريين دور المدافعين عن الهوية الوطنية الإثيوبية ضد الغزاة الإريتريين. دعم الإثيوبيين والمعارضة السياسية الهجوم المضاد دون أي تردد. ونشرت إثيوبيا من 300.000 إلى 350.000 جندي. 

وتفترض تلك القومية الشاملة تصورًا شاملًا للهوية الوطنية وموضوع الصراع. ومع ذلك، فإن تصورات الغرباء والقوميين في إثيوبيا فيما يتعلق بقيمة الشيء الذي يحارب من أجله وأسباب الصراع تتعارض تمامًا. يحكم الغرباء على النزاع فقط من وجهة نظر مادية. ومن ثم ، فإن القتال من أجل قطعة الأرض يوصف في كثير من الأحيان بأنه صغير جغرافيًا وغير مُجدي اقتصاديًا. 

إن البناء الدائم للهوية الوطنية والقولبة هو عنصر مميز للقومية. يتم إنتاج القومية من خلال الإشارة باستمرار إلى عدو حقيقي أو خيالي للجماعة، على سبيل المثال. تخلق هذه العملية عالماً مزدوجاً من “الداخل” مقابل “خارج”، “نحن” مقابل “هم”.

وهذا التصنيف “الداخلي-الخارجي” يعتمد على الذاكرة الجماعية، التي تُخزن وتتذكر المعلومات السابقة. تتكون الذات من هذه المعلومات والذاكرة المشتركة. وفي هذه العملية، فإن التعرف على ذاكرة المرء وإدراكه لنفسه يشكل هوية. تساعد “الدوام المُختَرَع” على تجاوز الاختلافات داخل المجموعة. هذه “الدوامات” هي ذاكرة جماعية، وتتألف من التذكر الذي هو في الوقت نفسه نسيان جماعي: والأمة، التي تحتفل بـ عصورها القديمة، تنسى العنف الذي جلبها إلى الوجود.

ويشير هايز إلى أن القومية هي عملية تاريخية تضع القوميات كوحدات سياسية. والتي تشكل المؤسسات الحديثة من القبائل والإمبراطوريات؛والتي تشير إلى المبدأ والعملية التاريخية؛ الذي يزيد من وعي المواطنة والفلسفة السياسية للدولة القومية؛ والذي يلمح إلى أن الولاء للمثل الأعلى أو للدولة القومية أعلى من جميع الولاءات الأخرى. إن الفخر بجنسية المرء وإيمانه بتميزه الجوهري و “مهمته” جزء لا يتجزأ من القومية.

الفيدرالية العرقية وتمزيق الدولة الإثيوبية

نطرح هنا سؤالًا هامًا: هل الغرض من ذلك النظام الذي قدمته الجشدا من أجل تحقيق الديمقراطية والتنمية، أم هو فقط لمجرد تهدئة الحركات الإنفصالية المختلفة وطمأنتها؟ 

وبالنظر إلى الجانب الإيجابي، أنتج التركيز على الثقافات القبلية بموجب نظام ما بعد 1990 شعوراً بالفخر والمساواة خاصة بين أولئك الإثيوبيين الذين شعروا بالتهميش من قبل المركز.

وعليه، يصبح السؤال كما يلي: هل كان من الضروري اللجوء إلى الفيدرالية القبلية وتدمير الهوية الجماعية للبلاد لتحقيق أهداف التعددية الثقافية التي كان يمكن تحقيقها في فدرالية تعاونية أكثر استنارة كما في حالة الولايات المتحدة؟ 

إن تقييم التطورات التي تلت عقدين من السياسات القائمة على أساس عرقي ينتج عنه العديد من المشاكل لإثيوبيا: اتحاد عرقي مجزأ غير مستقر محفوف بالصراعات القبلية. انهيار اقتصادي وصعود نظام ديكتاتوري في إريتريا التي منحت لها الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي (جشدا) الاستقلال الذي سرعان ما شن حربًا حدودية مع إثيوبيا تسببت في مقتل أكثر من 100000 شخص. قيام العديد من جبهات التحرير، كما ذكرنا سابقًا حالتي جبهة تحرير أورومو وأوغادين بحركات إنفصالية.

تكمن عبقرية النجاح السياسي للجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي (جشدا) هي قدرتها على صياغة ما يمكن أن يوصف بأنه بنية انقسامية في الحكم المهيمن التي انبثقت عن تمرد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي. 

يتم تعريف “بنية” الحكم المهيمن على أنها نظام الهيمنة الذي يستخدم سلسلة أو تجميع من الهياكل والعمليات التمكينية التي تتم مزامنتها بشكل فني لتحقيق نتائج سياسية وإقليمية مرغوبة. ويعني مصطلح “البنية” في هذا السياق بناء تصميم منسق ومتكامل للبنية الفوقية السياسية لتسهيل التحكم المركزي. والهيمنة هي استخدام سلطة القيادة التي تمارسها ديكتاتورية الحزب الحاكم (الوطنية أو الخيرية) مع أو بدون استخدام القوة القسرية للامتثال. 

استندت العديد من الروايات المضادة المعارضة في تاريخ إثيوبيا الحديث، والتي بدأت تتشكل منذ أكثر من ثلاثة عقود على أسس أيديولوجية أو لغوية إثنية، على تحدي فاعلية النظام السياسي الإثيوبي. الأولي هي التأكيد على وجود نزاعات بين الأعراق تم قمعها من قبل الحكومات المركزية قبل 1974 في إثيوبيا. والحقيقة هي أنه “لم يكن هناك تاريخ يذكر للعنف الطائفي في إثيوبيا” ولا توجد خطوط عرقية واضحة في اكتساب السلطة السياسية قبل ظهور النظام الاشتراكي في عام 1974. على الرغم من أن الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي جعلت من الإثنية قضيتها المميزة في إعادة تشكيل إثيوبيا ووضعت هدفًا بارزًا في “تصحيح العلاقات غير العادلة تاريخياً” ، إلا أن العرق لم يكن هو نقطة الخلاف حتى أقرت الجبهة الديمقراطية الثورية الديمقراطية ذلك. وعلى عكس الدول الأفريقية الكبرى الأخرى، فإن إثيوبيا  دولة متعددة الأعراق منذ أقدم العصور، لم تعطِ وزنًا كبيرًا نسبيًا لقضايا الأصل العرقي، ويمكن للأفراد من المناطق الطرفية وكذلك من خلفيات اجتماعية متواضعة الوصول إلى مواقع ليس فقط من السلطة، ولكن على قدم المساواة السلطة والهيبة “. 

كانت الرواية المضادة الثانية هي أنه في إثيوبيا كانت هناك قبائل أو مجموعات عرقية شكلت النخبة الحاكمة الإثنوقراطية التي مارست الهيمنة الثقافية والسياسية والاقتصادية على إثيوبيا. تم توجيه هذا في الغالب إلى أمهرة على الرغم من أن التيجري غالبًا ما تشاركت الاتهام. . وما جعل تسمية “أمهرة” مرتبطة برواية الانقسام هي أبعادها العامية والدينية. حيث أولاً، كانت الأمهرية (التي يتم التحدث بها بشكل خاص بلكنة العاصمة أديس أبابا) هي اللغة المشتركة للبلاد واللهجة التي تختارها مجموعات النخبة من أي أصل. ثانيًا، كانت المسيحية الأرثوذكسية -دين النخبة الحاكمة آنذاك- أكثر ارتباطًا بتقاليد “أمهرة” الليتورجية.

هذان المؤشران الثقافيان البارزان لهيمنة “شوان” المركزية يتلائمان بدقة مع التصورات والروايات للانفصاليين العرقيين، وخاصة أولئك من أورومو وصومالي وإريتريا. وخلاف ذلك، فإن نظرة فاحصة تظهر أن أولًا، ما يسمى “أمهرة” لا يشكلون قبيلة ولا يشيرون إلى أنفسهم على هذا النحو باستثناء خاص ممن عاشوا في مدن رئيسية مثل أديس أبابا. ثانيًا، أولئك الذين عاشوا في ما يعرف بمناطق “أمهرة”، وهي شمال شوا، وجوجام، وجوندر، وويلو، لم يكسبوا شيئًا يذكر من سخاء الطبقة الحاكمة الأمهرية الراسية في أديس أبابا.

شكل1: خرائط توضيحية للتوزيع الإثني في إثيوبيا، وخريطة الولايات Killilis  الإثيوبية

وينطبق الشيء نفسه على شعب تيجري، القبيلة “الحبشية” الأخرى التي أُتهِمت بمزايا مماثلة مثل أمهرة مع عدم وجود شيء لإظهاره.

أما الرواية المضادة الثالثة فكانت أن المركز “الحبشي” استعمر المحيط غير “الحبشي”. بافتراض أن هناك اتفاقًا عامًا على ما تشير إليه بالضبط “الحبشة”، والتي لا يستخدمها الإثيوبيون رسميًا للإشارة إلى أنفسهم، فإن فكرة أن مثل هذا الكيان كان قوة استعمارية وأن إثيوبيا هي اختراع حديث يؤكد فقط ، وكما تُجادل ليا كيبيدي، “مدى تصوير التاريخ والثقافة الإثيوبيين من خلال المفاهيم الأوروبية المركزية”. وفي الوقت نفسه، يحرم هذا إثيوبيا من ما شهدته كل دولة كبرى تقريبًا في تاريخها، أي الاندماج في منطقة ذات سيادة متجاورة وتوطيدها.

وعلاوة على ذلك، كما أظهر محمد حسن على نحو ملائم، فإن التاريخ الإثيوبي للهجرة والغزو والقهر والهيمنة كان ثنائي الاتجاه بالكامل. تنافس ما يسمى ب “الحبشيين” من الشمال والأورومو من الجنوب على السيادة على وسط وجنوب إثيوبيا قبل اندماج مينيليك الوطني للدولة. أصبح من المألوف لكل من النخبة السياسية والأكاديميين ما بعد عام 1974 الذين يميلون إلى اليسار شيطنة حكومات ما قبل عام 1974 على أنها أنظمة هيمنة إقطاعية مع دائرة أساسية من ‘أمهرة’ التي استخدمت قوتها لتهميش وأحيانًا “استعمار” القبائل الأخرى في إثيوبيا. وعلى الرغم من أن الدافع الأصلي ربما كان هو تقليل هيمنة “أمهرة” المزعومة في أديس أبابا، فقد اكتسبت هذه العدوانية ولاية تحت حكم الحكومة الاشتراكية قبل 1974 والجشدا، مما بدا أكثر ازدراء للدولة الإثيوبية كمجموعة من القبائل المتباينة التي يُزعم أنها أجبرتها معًا من قبل “الحبشي الإمبريالي” من قلبهم الشمالي الأوسط.

ردد أنصار كلًا من جبهة تحرير أورومو، وجبهة تحرير تيجراي، وجبهة تحرير إريتريا، روايات مضادة معادية منذ الستينيات حول “الحبشيين” باعتبارها جوهر “الإمبراطورية الاستعمارية” وحكمهم “الإمبراطوري” و “الاستعماري” على أراضيهم. 

من أجل ضمان الشرعية داخل هذه الدولة المُنقسمة، سرعان ما تحولت الجبهة الشعبية لتحرير تيجري إلى الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي من خلال اختيار الأحزاب القبلية “المعارضة” الداعمة مثل منظمة أورومو الشعبية الديمقراطية (OPDO) والحركة الديمقراطية الوطنية لأمهرة (ANDM) مع تهميش أحزاب المعارضة الحقيقية المنظمة على أسس فوق العرقية.

وما لبث أن أصبحت هذه الرؤية للجشدا دستورًا إثيوبيًا جديدًا، حيث يتم تقسيم الدولة إلى وحدات تسمى Killilis  (مُرفقات إقليمية) تتمتع بسلطة شبه مستقلة عن سلطة المركز. 

إن نظام الكيليات للفدرالية العرقية هو السلاح الثاني وربما الأقوى لهيكل البنية الانقسامية للحكم المهيمن. والجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، التي تدين بجدول أعمالها إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيجري، بشكل غير متوقع ودون أسبقية تاريخية أو جغرافية، أعطت القبلية دورًا مركزيًا في نموذجها الحاكم عن طريق تقسيم إثيوبيا إلى كيليليات مع تعيين القبائل كمناطق إدارية اتحادية. 

كانت هذه لحظة تاريخية لا يمكن تفسيرها في تاريخ إثيوبيا الحديث لأنه، كما كان الحال في كل أفريقيا ما بعد الاستعمار، كان الاستخدام العلني لسياسات الهوية القبلية أمرًا مستهجنًا باعتباره وطنيًا ورجعيًا. وكما هو متوقع، فإن صعود القبلية كعامل تنظيمي يبرر لأولئك الذين كانوا ميالين لتوصيف الدولة الإثيوبية ككيان “مخترع”.

وقدمت العديد من هذه الروايات المضادة للانقسام تفسيرات مختلفة للتاريخ الإثيوبي دعمت المواقف القبلية والانقسامية وكانت مختلفة عن التأريخ الأساسي والجغرافيا للبلاد.

عندما عرض النظام الإشتراكي القضية العرقية في الخطاب السياسي الوطني، بدت مفاتحاته تقدمية حيث حاول النظام تصحيح مظالم الماضي الفعلية أو المتصورة دون إثارة قبيلة ضد أخرى. لم يكن هناك تعبير صريح من النظام الإشتراكي لإلحاق الضرر بسلامة الدولة الإثيوبية وهويتها الجماعية القديمة. ومن ناحية أخرى، دفع مشروع الجشدا للكيليليات إلى تقسيم إثيوبيا إلى تسعة أقاليم على أساس القبائل، على الرغم من أنه يوصف بأنه مشروع تحرري، حيث دفع البلاد إلى مجرى مجهول وآثار وخيمة على جميع الإثيوبيين.

أولًا، بموجب المادة 39 من الدستور الإثيوبي، فإن المواطنين الذين يختارون عدم تعريفهم أو انتمائهم إلى أي كيليليا، لا يمارسون كامل حقوقهم كمواطنين على الأراضي الإثيوبية. وهذا غير متوافق داخل دولة ذات سيادة اتحادية علمانية. قد يكون السبب أيضًا هو أنه في ظل الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي (جشدا)، نجح عدد قليل من الأحزاب الوطنية المتعددة الأعراق في نداءها من أجل أهداف متعددة الأعراق ومتسامية لتعزيز سيادة إثيوبيا، وبناء المواطنة الوطنية وضمان الحقوق الديمقراطية الفردية في دولة علمانية.

ثانيًا، زيادة الاستقلالية للكيليليات مع الأجندة العرقية تعني أن المواطن من أي أصل عرقي يواجه خطرًا مزدوجًا بمحاولة الإذعان لإملاءات كل من النظام المركزي للجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي وكذلك نظام زعماء القبائل في الكيليليات، في حالة يشار إليها أحيانًا باسم “الاستبداد اللامركزي”.

وعلى سبيل المثال، فإن الكيليليا الصومالي هو حالة يتعين فيها على المواطنين العاديين في المنطقة التنقل بحذر لتجنب الوقوع في تبادل إطلاق النار بين الجيش الإثيوبي والتمرد الصومالي (المدعوم من الصومال) تحت راية الجبهة الوطنية. وعلى مستوى آخر، كما أثبتت القيادة الوطنية الحالية في إريتريا بشكل واضح ، لا يضمن الانفصال التحرر من “الاستبداد اللامركزي”.

المشكلة الثالثة هي أن المناطق العرقية تصمم بشكل ضيق للغاية على أساس التجانس القبلي بحيث لا معنى جغرافي في طريقة ترسيمها. فهي لا تُظهر أي أساس للاشتقاق عند تقييمها من منظور الجغرافيا الطبيعية وكتل المستوطنات والحوكمة التاريخية والجغرافيا الاقتصادية والمشكلات البيئية. فهي مشغولة بهدف واحد هو تقسيم إثيوبيا إلى مناطق قبلية، حيث فشلت الحكومة في النظر في عدد لا يحصى من المشاكل الوطنية المستعصية التي يصعب حلها بالتقسيمات العرقية. اعتمادًا على نفاذية حدود الكيليليا، فإن القضايا التي تتطلب التكامل المكاني الشامل مثل أسواق السلع الأساسية، والبنية التحتية الاجتماعية، والتنقل داخل البلاد، والعلوم والتكنولوجيا، وتعبئة الموارد، وتنقل الموارد (بما في ذلك العمالة)، وحماية البيئة تصبح غير ضرورية للإدارة البيروقراطية التي تمارسه البيروقراطيات الكيليلية المتباينة التي تعزز المصالح الذاتية للفيدراليات القبلية بشكل ضيق حتى لو كانت تضر بالأهداف الوطنية للاقتصاد الكلي. 

نظام التهميش المُمنهج

إن التهميش الممنهج، باعتباره الركيزة الثالثة للبنية الانقسامية للحكم المهيمن في الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية (جشدا)، جعل كل مواطن إثيوبي عرضة للإملاءات من الاستبداد المركزي واللامركزي الذي أصبح ممكناً بفعل الفدرالية القبلية. 

بشكل عام، يعتبر “التهميش” حالة معقدة من الحرمان التي يعاني منها الأفراد والمجتمعات نتيجة نقاط الضعف التي قد تنشأ عن عوامل بيئية وثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غير مواتية “. 

هناك نوعان من التهميش: “عرضي” و “منهجي”. التهميش العرضي هو عيب ينتج عن الضعف التنافسي في الأسواق الحرة. ومن ناحية أخرى، فإن التهميش المنهجي هو عيب ناتج عن نقاط ضعف خارج السوق والتي تسمح للهيمنة العرقية بالتحكم في النتائج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمواطنين العاديين.

و كواحد من أكثر أشكال الدعم فعالية للبنية الانقسامية لحكم جشدا، أصبح التهميش المنهجي ممكناً من خلال الكيليليات، وجعله شرطًا أن يعلن كل إثيوبي عضويته في مجموعة لغوية إثنية وأن يتم تعيينه لأحد الكيليليات التسعة الذين يمكنهم من خلالها ممارسة الحقوق السياسية وحقوق الملكية دون اعتراض. وهذا يعني أن قرونًا من الخلطات القبلية والتنقل غير المقيد على أسس اجتماعية أو إقليمية فجأة أصبحت موضع تساؤل مما جعل كل إثيوبي (باستثناء أولئك الذين يقيمون في مراكز حضرية محايدة) الذين عاشوا خارج ما حددته الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي كـ “وطن” ليكونوا عرضة للتهميش المنهجي الذي أصبحت فيه حقوق المواطنة الوطنية الخاصة به محلها حقوق “الكيليليات”.

جانب آخر من نظام التهميش المنهجي الذي طبقته الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي (جشدا) في بنيتها التقسيمية للهيمنة: هو الخلط بين وضع الجنسية في إثيوبيا من خلال المصادقة الفعالة على طرائق الجنسية المزدوجة بموجب القانون الذي تتفوق فيه لوائح وقوانين الوحدات القبلية علي القانون الإثيوبي العام وفق المادتين 6 و 39 من الدستور الإثيوبي. و كان هذا أحد العوامل الرئيسية المسؤولة عن “الخلل” في الحكومات الأفريقية على الرغم من أن قلة من الدول الأفريقية سمحت بشكل علني رسمي بالانزلاق إلى سياسات الجنسية المزدوجة التي عدتها إثيوبيا في ظل نظام الفيدرالية القبلية. 

لقد أثبتت العقود الثلاثة الماضية بوضوح أن الأجندة الانفصالية العرقية أدت إلى مشاكل سياسية واقتصادية خطيرة في إثيوبيا. في نشوة هزيمة النظام الإشتراكي الوحشي من قبل الجبهة الشعبية لتحرير تيجري (أساس حكومة الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية)، كان هناك توقع بتحول ديمقراطي حقيقي لإثيوبيا من شأنه أن يطلق إمكانات إثيوبيا التي كان الاشتراكيون قد كبتوها بشعارات ماركسية عدمية. قدمت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي إرتياحًا من النظام القمعي الإشتراكي، لكنها سرعان ما استسلمت للقبلية التي ليس لها أي علاقة بما طالب به الاثيوبيون سواء من الإمبراطورية أو من الاشتراكيين. فما طلبوه هو الديمقراطية وإصلاح الأراضي. لم تستمر الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي بسياسة الاشتراكيين في تأميم الموارد (المادة 40 من الدستور الإثيوبي) فحسب، بل قامت أيضًا بتكثيف سياسات الهوية التي أدت في النهاية إلى تقسيم البلد بنظام يسمى “الفيدرالية العرقية” مع أحكام دستورية للفيدراليات القبلية.

ويتبدى هذا بوضوح في الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها البلاد، عقب اغتيال المغني الإثيوبي المُعارض، غاشالو، من قبيلة الأورومو، والتى أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 90 مواطن. ولم يكن ذلك بالإضطراب الأول منذ مسار المصالحة الذي قاده آبي أحمد، حيث استمرت أعمال العنف والاضطهادات في إقليم أورومو، واستمرار الحكومة شن الحرب ضد المسلحين من الحركات الانفصالية.

الهوامش

Gebrewold, Belachew (2009), Ethiopian Nationalism: an Ideology to Transcend All Odds, in: Africa Spectrum, 44, 1, 79-97.

Abbink, Jon (2009), The Ethiopian Second Republic and the Fragile “Social Contract”, in: Africa Spectrum, 44, 2, 3-28.

Christopher Clapham (2018) The Ethiopian developmental state, Third World Quarterly, 39:6, 1151-1165, DOI: 10.1080/01436597.2017.1328982

Asafa Jalata, The Oromo movement and imperial politics, 2020, Lexington book

*باحث علوم سياسية حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة بني سويف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى