سياسة

كيف يؤثر التغير المناخي على الإنتاج الزراعي في مصر

منذ بداية الألفية وبدأت موضوعات التغييرات المناخية في احتلال مكانة في الرأي العام الدولي، كما بدأت الجهود الدولية تتضافر من أجل ضمان حماية أمنة من التغييرات المناخية، فالآثار العالمية لتغير المناخ هي واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل من حيث الحجم، من تغير أنماط الطقس التي تهدد الإنتاج الغذائي، إلى ارتفاع منسوب مياه البحار التي تزيد من خطر الفيضانات الكارثية.

وتعد التغيرات المناخية من أشد الأخطار التي تواجهه البشرية في وقتنا الحالي، وللتكيف مع هذه التغيرات في الوقت الحالي أو في المستقبل يتطلب العديد من الإجراءات التي يجب تبنيها من الدول والأفراد جمعاء. مما دفع العديد من نشطاء البيئة إلى التنديد بأخطار التغيرات المناخية وضرورة مواجهة هذه التغيرات على جميع المستويات، في حين اتجهت دراسات البيئية إلى دراسة التغيرات المناخية من عدة اتجاهات. حيث تعد قضية التغيرات المناخية هي القضية الأكثر سخونة والأكثر إلحاحاً ُعلى المجتمع الدولي حالياً، وذلك نظراً لما قد يسببه تغير المناخ من تأثيرات وتداعيات مستقبلية خطيرة، من جفاف الأنهار وغرق المناطق الساحلية وتبدل خريطة مناطق الإنتاج الزراعي في العالم، ومن ثم فقد أطلقت منظمات البيئة العالمية صيحة مدوية تحذر من تدهور المناخ العالمي، وتدق أجراس الخطر لتنبيه الغافلين بأن هذا التدهور يمكن أن تكون له تداعيات مروعة نتيجة تزايد الغازات الكربوني.

تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أكثر المناطق عرضة لتداعيات التغير المناخي، وفي الآونة الأخيرة تصاعدت بحدة تداعيات التغير المناخي في المنطقة وكان لمصر نصيب من هذه التداعيات، فتعد مصر واحدة من أكثر الدول تأثراً بالآثار السلبية خاصة من ناحية القطاع الزراعي والنظام البيئي والفقر المائي وارتفاع مستوى السطح، وأيضا أمنها الغذائي، في ظل عدم وجود اهتمام كافٍ بهذه القضية القومية. ومن هنا نحاول في هذا التقرير الإجابة على تساؤل ما هي تداعيات التغير المناخي على القطاع الزراعي المصري؟

أولا-كيف يحدث التغير المناخي:

توصف الغازات المعمرة التي تظل بشكل شبه دائم في الغلاف الجوي ولا تستجيب فيزيائيًّا أو كيميائيًّا للتغيرات في درجة الحرارة بأنها عوامل مستحثه لتغير المناخ. أما الغازات التي تستجيب فيزيائيًّا أو كيميائيًّا للتغيرات في درجة الحرارة مثل بخار الماء فيُنظر إليها على أنها تأثيرات تفاعلية، وتشمل الغازات التي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري ما يلي:

تسببت الأنشطة البشرية على الأرض في إحداث تغيير في غازات الاحتباس الحراري الطبيعية، وعلى مدار القرن الماضي، أسفر سوء الاستخدام البشري وكثرة مسببات التلوث وحرق الوقود الأحفوري كالفحم والنفط عن زيادة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو. والذي أدي إلى زيادة تركيزات غازات الاحتباس الحراري، وهو ما يؤثر على الغلاف الجوي، والذي يؤثر بدرجات متفاوتة على سبيل المثال على ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض، وهي ظاهرة يمكن ملاحظاتها بسهولة في دول المنطقة العربية حيث تشهد المنطقة ارتقاع في درجات الحرارة وهو ما خلف العديد من المشكلات البيئية كحرائق الغابات كما شهدتها الجزائر وفيضانات كما شهدتها مصر والسودان وجفاف النيل كما تشهده العراق. ففي حين يكون ارتفاع درجات الحرارة تغيرًا إيجابيًّا في بعض المناطق لا يكون كذلك في مناطق أخرى.

اطروحات ومقاربات التغيرات المناخية:

اهتم علماء البيئة والاجتماع بدراسة التغيرات المناخية منذ مطلع القرن الحالي، وبدأت المؤتمرات الدولية نتيجة ضغطات من منظمات بيئية في تبني مفهوم العدالة المناخية وارتباطها بتحقيق التنمية المستدامة، ولذلا تعددت أطروحات المفسرة للتغيرات المناخية والداعية للعدالة المناخية بتنوع نقطة تركيز الباحثين والدارسين، ويمكن طرح عدد من الأطروحات في: 

  • مقاربة الدول الصناعية؛ تتبني هذه المقاربة تعريف المسؤولية البيئة فهي مشتركة بين جميع الدول كبيرتها وصغيرتها ما دامت انعكاسات الانحباس الحراري عالمية وشاملة. (للعدالة وجوه متعددة ما بين العدالة المناخية والعدالة الاجتماعية دليل للمنطقة العربية، منتدى البدائل العربي للدراسات، تحت النشر)
  • المقاربة الجيلية؛ تركز المقاربة الجيلية على ما نحن مدينون به تجاه الأجيال القادمة والحالية الأصغر سناً.
  • المقاربة الجندرية-النسوي؛ تسعى هذه المقاربة إلى التركيز على الظروف الاجتماعية وعلاقات القوة في السياق الخاص وتمكين النساء الواقعات تحت السلطة الأبوية وهو ما يعرف بالإيكولوجيا السياسية النسوية.
  • المقاربة الأمم المتحدة؛ ترى هذه المقاربة أن المسؤولية البيئية مشتركة بين جميع الفاعلين “دول متقدمة ونامية”، وتبنت مفهوم المسئولية التاريخية للغرب. (للعدالة وجوه متعددة ما بين العدالة المناخية والعدالة الاجتماعية دليل للمنطقة العربية، منتدى البدائل العربي للدراسات، تحت النشر)

تأثير التغير المناخي على مصر:

تشير العديد من الدراسات إلى تأثير التغيرات المناخية على الدول الزراعية أكثر منها على الدول المتقدمة -وهو ما افرز اشتباكات بين المسئولية الدولية عن التغيير المناخي- ويري العديد من الباحثين والدارسين أن دول حوض البحر المتوسط ” الدول الساحلية” عرضة للتغيرات المناخية أكثر من غيرها، وتعد الدول التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على الزراعة مثل الدول الأفريقية وفي جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وتلك المعتمدة على السياحة مثل الدول الجزرية الصغيرة هم الأكثر عرضة للتداعيات السلبية للتغير المناخي فالاضطرابات المناخية تؤدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المحاصيل، وستكون القارة الأفريقية من أكثر المناطق التي ستتضرر من التغير المناخي من خلال زيادة الحرارة وارتفاع منسوب مياه البحر، والنقص الحاد للمياه، ومن ثم التنوع البيولوجي وزيادة التصحر رغم أنها لا تشارك إلا بنسبة أقل من ٥ %من الانبعاثات الإجمالية لكن لا تملك البنى التحتية اللازمة للتكيف مع ذلك التغير.

وتتأثر مصر بشكل كبير بالتغيرات المناخية، وتشير الدراسات إلى ارتفاع سطح البحر المتوسط وهو ما يعني غرق أجزاء من الدلتا، بجانب التأثير بتغيرات المناخ وتأثيرها على مواعيد الزراعة والتربة، وتشير دراسة التنمية والتغير المناخي في مصر إلى تأثيرات على أربع مدن سياحية وهم الإسكندرية وبورسعيد ودمياط ورشيد، نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر في الفترات 2025 و2050، فمن المتوقع أن يرتفع مستوى البحر المتوسط بنحو 0.5% متر كل عام مما يعني أن محافظة كالإسكندرية من الممكن أن تفقد نحو 30% من مساحاتها الحالية,

وإلى جانب التأثير على مساحة المدن الساحلية فقد يتأثر بشكل كبير الإنتاج الزراعي، حيث توضح استراتيجية مصر 2030 والمصممة من قبل الحكومة المصرية في عام 2016 أن الأمن الغائي المصري مهدد بسبب نقص المياه وزيادة عدد السكان، حيث تؤثر ارتفاع درجات الحرارة على تبخر مياه النيل مما يعني حدوث انخفاض في تدفقات النهر تصل إلى ما يقرب من 50%، وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة تبخير المياه في خزان أسوان تصل إلى 10%، ومع نقص المياه من الممكن أن تنخفض إنتاجية محصولي القمح والذرة من 10% إلى 20% بحلول العام 2060. كما تشير بعض الدراسات زيادة هطول الامطار على المرتفعات الإثيوبية والنيل الأزرق مما يعني زيادة تدفق المياه بنسبة تتراوح بين 15 إلى 25%، وهو ما يعني احتمالية غرق الدلتا ووادي النيل. 

أثرت التغيرات المناخية بشكل كبير على المحاصيل فوفقا للمزارع أحمد فريد لأول مرة من سنوات يدمر محصول المانجو نتيجة ارتقاع درجة الحرارة، كما تعرض محصول القمح لتأثيرات شديدة بسبب موجات الصقيع وطول الفترة الممطرة، الموسم السابق، كما تتأثر جودة المحاصيل نتيجة انتشار الأفات والحشرات والتي تنتشر مع تغييرات البيئية.  كما أثرت التغيرات المناخية على المزارع السمكية، ومن المتوقع أن تكون الأكثر تأثراً، وينتج عنها نحو مليون و300 ألف طن سنوياً ما يعادل بين 85- 90% من الإنتاج السمكي، فزيادة الحرارة سوف تؤدى إلى زيادة نشاط الميكروبات المحبة للحرارة مما يؤدى لزيادة احتمالية حدوث أمراض، فضلاً عن ازدهار الطحالب وما ينتج عنها من أضرار، إضافة إلى النقص المتوقع في مياه الصرف الزراعي الناتجة عن تقليص مساحات زراعة الأرز سوف تؤدى إلى مشكلة كبيرة.

خاتمة:

تواجهه مصر أزمة حقيقية نتيجة تداعيات التغيرات المناخية على الأمن القومي المصري، فيؤثر التغير المناخي على الأمن المائي والأمن الغذائي المصري، لذا وضعت التغيرات المناخية كتحدي رئيسي للتنمية في استراتيجية مصر 2030، وتحاول الحكومة عبر عدد من الخطط والاستراتيجيات لمواجهة أزمة تغيير المناخ، كما دمجت الحكومة المصرية التحدي المناخي في كافة المشروعات الجديدة واعطت أهمية لوزارة البيئة لدراسات التغيرات المناخية وتأثيرها على مصر، وكان لمصر العديد من الأدوار والمشاركات في كافة اللقاءات الدولية لمناقشة تداعيات التغيرات المناخية. 

فعلى سبيل المثال قبل حضور الرئيس السيسى قمة التغيرات المناخية في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أصدر رئيس مجلس الوزراء إبراهيم محلب قرار رقم 1912 لسنة 2015 بتشكيل المجلس الوطني للتغيرات المناخية برئاسة وزير البيئة وعضوية ممثلي معظم الوزارات والهيئات المعنية بالتغيرات المناخية، ويرجع الهدف من هذا القرار العمل على صياغة وتحديث استراتيجية وطنية شاملة لتغير المناخ، ورسم الخطط الوطنية الخاصة به مع إدراج مخصصات مالية سنوية متزايدة تدريجيا في الموازنة العامة للدولة داخل كل وزارة معنية لمشروعات التكيف مع آثار تغير المناخ وكذلك التخفيف من الانبعاثات. وأن كان لم يتم تنفيذ الجزء الخاص بالموازنة بسبب الازمة الاقتصادية وتداعيات فيروس كورونا على الميزانية وبعض قطاعات الدولة.

وفي أعقاب ذلك بدأت الوزارات المختلفة والهيئات ومراكز الأبحاث في إنشاء مراكز خاصة ولجان بالتغيرات المناخية ودراسة وتحليل البيانات والمعلومات والخطط المتاحة حتى يتم فهم التداعيات المستقبلية للتغيرات المناخية على مصر. ورغم ذلك إلا أن هذه الجهود لم تسفر عن أي نتائج إيجابية فحنى الآن ما زالت هناك مشكلات تقابل الفلاحين بالنسبة للزراعات التي تتأثر بالتغيرات المناخية من موجات السقيع أو الحر. فقبل طرح روية 2030 لم تأخذ مصر التغيرات المناخية على محمل الجد، كما لم تساعد الظروف الداخلية للدولة على ذلك.

ومن أجل التصدي لمشكلات التغيرات المناخية فيجب علينا:

  • إعادة رسم السياسة البحثية في مصر، وأن تكون التغيرات المناخية موضع الجد في كل أي مشروع يتم تنفيذه في مصر سواء زراعة أو اسكانا أو طرقا والمناطق التي تتعرض للتقلبات الجوية.
  • تنفيذ توصيات قمم المناخ بشكل دوري. فالمشكلات التي واجهت مناطق كالتجمع الخامس وسيناء وطريق السخنة والصعيد وغيرها من الأماكن خلال العامين الماضين ستكون أعنف وأعنف خلال السنوات المقبلة.
  • توفير مياه الري فمياه الري من أهم مدخلات الإنتاج الزراعي، وتشير العديد من الدراسات إلى أن زيادة الاحتياج لمياه الري مرتبط بالموجات الحرارية غير الاعتيادية التي تتعرض لها المزروعات
  • الاعتماد على تجارب بعض الدول التي استطاعت أن تحرذ تقدم في التصدي لتداعيات التغيرات المناخية.
  • محاولة تخفيف التكدسات من الدلتا والصعيد وانشاء المدن الجديد والاستفادة من مساحات المتروكة في الصحراء.
  • تقديم شبكة مواصلات صديقة للبيئة.
  • الاعتماد على موارد وقطاعات متنوعة.
  • محاولة الاعتماد على التكنولوجيا في تيسير العمليات الزراعية والسمكية والري، فطرحت الحكومة عدد من المواقع للمساعد في التكيف مع التغيرات المناخية والانذار المبكر للفلاحين والعاملين في قطاعات صناعية أخري تواجهه مشكلات وتداعيات التغيرات المناخية ومنهم مشروع  تطبيق الانذار المناخي المبكر، وهو تطبيق بسيط متاح على الانترنت للجميع.
اظهر المزيد

Sherouq Elharery

باحثة علوم سياسية، حاصلة على ماجستير علوم سياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، تعمل على قضايا المجتمع المدني والحركات الجهادية والتحول الديمقراطي، لها بعض الأوراق المنشورة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى