إقتصاد

الاتجاه السالب: ملابسات الليلة المدوية لانهيار أسعار النفط

ريم الجوجري* حساني شحات محمد

لازال الاقتصاد العالمي يتداعى أمام الضغوطات التي خلفتها أزمة انتشار فيروس كورونا “كوفيد-19″؛ لاسيما تهاوي أسواق النفط في ظل تراجع الطلب العالمي، وتخمة المعروض النفطي، لتصل أسعار النفط ولأول مرة في التاريخ إلى قيم سالبة بلغت نحو 37 دولار لكل برميل نفط خام غرب تكساس، أي أن المنتجين (البائعين) مضطرون للدفع للمشترين للتخلص مما في حوزتهم من عقود آجلة للنفط، خوفاً من أن يحل أجلها ومن ثم يتحملون تكاليف شحنها وتخزينها. 

ثمة أسباب حقيقية لتراجع أسعار النفط، وأخرى تتعلق بالاتجاه البيعي القوي من المستثمرين بأسواق العقود الآجلة. لتبقي الآثار المدوية لهذا التراجع على الدول النفطية وعلى الاقتصاد العالمي برمته. ونحاول هنا البحث في الأسباب وتداعيات هذا السقوط.

أولا- التراجع المدوي:

خلفت أزمة كورونا، أثاراً مدوية على أسعار النفط الخام، وهبط النفط الخام الأمريكي بنسبة تزيد عن 137%، ولأول مرة في التاريخ يصل سعر النفط إلى قيمة سالبة، الأمر الذي ينذر بإفلاس الكثير من الشركات الأمريكية وتتمثل أهم الأسباب في:

  1. الضغوط البيعيه للعقود الآجلة

إن انتهاء أجل تسويق العقود الآجلة لشهر مايو بحلول يوم الثلاثاء 4 من أبريل لعام 2020، تمثل ويوضح ذلك التراجع المدوي لأسعار النفط الخام “نفط غرب تكساس الأمريكي”، فلم تصل قيمته إلى الصفر، بل وصلت إلى قيمة سالبة وصلت إلى (-37 دولار)، وهو الحدث الأول في التاريخ، وخلف هذا التحول السلبي في سعره، ضغوطًا بيعيه. إذ تراجع خام برنت بنسبة 5.3%، وتراجع مؤشر خام النفط الكندي بنسبة 6%. غير أن بعض المؤشرات اتجهت صعودا، كمؤشر سلة أوبك والذي ارتفع بنسبة 1.3%، ومؤشر بورصة عمان للنفط والذي ارتفع بنحو 5.4%.

مصدر: https://oilprice.com/oil-price-charts

وبتتبع أداء تلك المؤشرات في الشهرين الأخيرين، فكان هناك تراجع جمعي، فقد تراجع مؤشر “نايمكس NYMEX ” وبلغت خسائره الشهرية نسبة 13 %.  هو ما يعد الانخفاض الأكبر منذ عام 2008، أما خام البرنت فقد حقق خسائر أسبوعية بنحو 13.6%، وهي الأكبر منذ منتصف يناير 2016، كما سجل خسائر شهرية بنسبة 13.1%. ليصل إلى نحو 26 دولار مقارنة بنحو 65 دولار قبل أزمة انتشار فيروس كورونا.

  1. تراجع الطلب على النفط:

نتيجة للتوقف الكلي أو الجزئي لكثير من الأنشطة الاقتصادية حول العالم، وتوقف حركة السياحة والتي فرضت عزلة اختيارية، تراجع الطلب على المشتقات البترولية، وقد انخفض الطلب بمقدار 435 ألف برميل على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2020، وهو الانخفاض الأول لأكثر من 10 سنوات، وقد تراجع طلب الصين وحدها على النفط بنحو 940 ألف برميل يومياً.

  1. تخمة المعروض وقصور مساحات التخزين:

تسابقت الدول المنتجة للنفط إلى زيادة الإنتاج مع بداية جائحة فيروس كورونا، خاصة مع فشل المملكة العربية السعودية -التي تعتمد على إيرادات النفط في دخلها القومي- في إقناع روسيا بقبول خفض أكثر من مليون برميل يومياً في الإنتاج لتعويض انخفاض الطلب على النفط، وبذلك رفعت المملكة العربية السعودية من إنتاجها سعياً منها لتعويض خسائرها خاصة وأن 20% من سكان المملكة العربية السعودية مستثمرون الآن في أرامكو.

ورغم الاتفاق بين روسيا ومجموعة أوبك (أوبك+) لخفض الإنتاج النفطي بمقدار 10%، إلا أن ذلك لم يكن كافياً، في ظل تراجع الطلب، للتخلص من فائض العرض، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى اتجاه بيعي قوي، ليس لتفادي الخسائر فقط، بل للتخلص من عبء الشحن والتخزين عندما يحل أجل تلك العقود.

المصدر:  https://www.tradingview.com/symbols/USOIL/

  1. أجواء اللايقين: 

هناك تخوفات مما ستؤول إليه الأسواق، ويبدو أن أجواء اللايقين والتراجعات سوف تظل مسيطرة على أسواق النفط، فالانهيار هو الأكبر منذ أزمة النفط الأولى في القرن الماضي، ويبدو أن الصراعات بين الفاعلين في سوق النفط سوف تزيد من تأجيج الأزمة. 

ثانياً- تداعيات انهيار أسعار النفط

لاشك أن انهيار أسعار النفط ستنعكس على النمو الاقتصادي العالمي، ومن المحتمل أن يحقق معدلات نمو سالبة، علاوة على الأضرار التي ستلحق بالدول النفطية والتي تعتمد على النفط بشكل أساسي في تمويل موازنتها العامة. أضف لذلك أن انهيار سعر خام غرب تكساس، ووصوله لقيم سالبة، يعني تحمل الشركات المنتجة له، أو الشركات المستثمرة فيه، لخسائر قد تؤدي إلى إفلاسها. ويمكن النظر إلى أهم التبعات كما يلي:

  1. معدل النمو الاقتصادي العالمي:

رغم التفاؤل بمعدل النمو الاقتصادي، الذي أعلن عنه البنك الدولي في تقريره عن آفاق الاقتصاد العالمي 2020، الصادر يناير الماضي والذي توقع معدل نمو بنسبة 2.5%، إلا أن صندوق النقد الدولي -ومع اتساع رقعة انتشار فيروس كورونا- أنذر بحدوث “أسوأ تراجع اقتصادي منذ الكساد العظيم” في ظل توقعات بتراجع النمو لهذا العام بنسبة 3%“.

  1. الآثار على الدول الخليجية:

تعتمد الدول الخليجية في إيراداتها العامة على القطاع النفطي بشكل كبير، إذ بلغت الإيرادات النفطية لعام 2020 أكثر من 87% من موازنة الإمارات العربية المتحدة، ونحو 80% من موازنة دولة قطر، و60% من موازنة المملكة العربية السعودية. ومن المحتمل أن تُكبد أسعار النفط المنخفضة المنتجين الخليجيين عشرات المليارات من الدولارات. ويمكن أن تشهد المملكة العربية السعودية تزايد في عجزها المالي يصل إلى 16.1% بدلاً من توقعاتها السابقة بأن يصل العجز إلى 6.4% فقط، كنتيجة لتراجع أسعار النفط.

  1. إفلاس الشركات وتراجع نتائج أعمالها:

أعلنت شركة “هاليبورتون”، عملاق خدمات حقول النفط، عن خسائر بلغت مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري بسبب تراجع أسعار النفط. بينما قدمت توقعات قاتمة بشأن حقول النفط الصخري في أمريكا الشمالية بعد تراجع الأسعار جراء فيروس كورونا.

ففي ظروف أكثر انتعاشا، تتحمل كثير من شركات النفط الأمريكية ديوناً لاستمرار التنقيب عن النفط. وفي ظل أسعار للنفط تصل إلى 20 دولار للبرميل، من المحتمل أن تتقدم نحو 533 شركة للتنقيب عن النفط الأمريكي ملفًا للإفلاس، وفي ظل أسعار للنفط تصل إلى 10 دولار للبرميل، ستتقدم نحو 1100 شركة ملفا للإفلاس وذلك وفقًا لشركة Rystad Energy. وهذا لا يشمل سوى شركات الاستكشاف والإنتاج، ولم يشمل بعد شركات الخدمات النفطية، أي أن العواقب ستكون وخيمة على صناعة النفط الأمريكية برمتها، ويعتبر حالة إفلاس 100 شركة في القطاع النفطي الأمريكي للعام 2020 وجهة نظر متفائلة.

  1. الدول المستوردة

يمثل تراجع أسعار النفط فرصة للدول المستوردة لالتقاط الأنفاس، إذ تعتمد على الواردات الكثيفة للطاقة، ولكن استمرار الأزمة الحالية في ظل تشابك العلاقات بين الدول المستوردة والمصدرة للنفط، عبر قنوات العمل والاستثمار والسياحة. ستخلق ضغوطا على تلك الدول لا محالة.

إجمالاً، مثلت الضغوط البيعيه من قبل المستثمرين العامل الأقوى انهيار أسعار النفط، في ظل تراجع الطلب وتزايد تخمة المعروض، إذ غمرت المملكة العربية السعودية وروسيا السوق بمعروض من المنتجات النفطية ليس له مساحات كافية من التخزين. وثمة آثار سلبية جمة على معدل نمو الاقتصاد العالمي، وخسائر أو إفلاس عددا من الشركات النفطية، علاوة على تضرر موازنات الدول النفطية.

*ريم الجوجري، باحثة دكتوراه كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس- مصر

اظهر المزيد

Hassany Shahat

باحث دكتوراه في الاقتصاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، مهتم بالتحليل الاقتصادي الكلي وسياسات التنمية الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى