إقتصاد

الاقتصاد الإيراني: بين ثنائية العقوبات وتداعايات فيروس كورونا

حساني شحات محمد

لم يكن الاقتصاد الإيراني في أفضل حالاته، قُبيل اكتشاف الحالة الأولى لفيروس كورونا “كوفيد 19″، في فبراير 2020، فلا يزال الاقتصاد الإيراني يعاني من وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية، الأمر الذي دفع طهران، جبرًا، إلى مقايضة النفط مقابل السلع مع شركائها التجاريين، أو البحث عن نظام مالي بديل، لاسيما مع تهديد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الشركات الأوروبية المتعاملة مع طهران بفرض عقوبات وحرمانها من استخدام النظام المالي “سويفت” للتحويلات المالية الذي يسيطر عليه الدولار الأمريكي.

هذا، وقد فرض انتشار فيروس كورونا، المزيد من التهديدات للاقتصاد الإيراني، الذي يعتمد على نحو 40% من عائداته على صادرات النفط، في وقتٍ تراجعت فيه أسعار النفط لأكثر من النصف، علاوة على عمل أكثر من ثلث السكان بالقطاع غير الرسمي، الأمر الذي يضطرهم إلى الانتظام في أعمالهم.

ورغم الانتشار السريع لوباء “كوفيد 19″، أعلن الرئيس الإيراني “حسن روحاني” عودة الحياة الاقتصادية في 11 أبريل الجاري، على أن تبدأ الأعمال بطهران -المدينة الأكثر كثافة سكانية- في 18 أبريل. لذا كيف تدير طهران اقتصادها في ظل ثنائية العقوبات الاقتصادية، وتداعيات انتشار فيروس كورونا؟

تعثر الاقتصاد وإعادة فرض العقوبات

يعاني الاقتصاد الإيراني، من الموجات التضخمية المتلاحقة، واستنزاف قيمة العملة، وارتفاع معدلات البطالة، أضف لذلك الفساد الإداري، وسيطرة المؤسسات الدينية على مقدرات الاقتصاد. 

ورغم الاتفاق التاريخي بين إيران ومجموعة (5+1) برفع العقوبات الاقتصادية، والذي أُبرم في نهاية ولاية “باراك أوباما” الثانية، إلا أن إدارة ترامب عادة الكرة وفرضت عقوباتها مرة أخرى، بانسحابها أحادي الجانب من الاتفاق النووي، بل وهدد البيت الأبيض استبعاد الشركات الأوروبية من نظام “سويفت” لتحديها العقوبات الأمريكية ضد إيران.

يأتي ذلك بعد أن حقق الاقتصاد الإيراني طفرة في عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي في العام 2017، وهو العام التالي لسريان اتفاق رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، إذ ارتفع النمو الاقتصادي الإيراني لنحو 13.4%، كما نمت الصادرات السلعية والخدمية بمعدل غير مسبوق بلغ 41%، وارتفعت نسبة صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من 50%.

بيد أن هذا التعافي المؤقت في مؤشرات الاقتصادي الإيراني، قد تبدد نتيجة إعادة فرض العقوبات، وتراجع الاستثمار في البنية التحتية وخاصة بقطاع النفط. رغم المحاولات الجادة من نظام طهران للتحايل على العقوبات الأمريكية، وعقد اتفاقات دولية مع عدد من الأطراف التجارية للتخلص من العقوبات الأمريكية. كالاتفاق التاريخي، والتحدي الأكبر لإدارة “ترامب” بقيام الاتحاد الأوروبي، حليف الولايات المتحدة الأمريكية التقليدي، باستخدام أسلوب المقاصة في التعامل مع إيران، علاوة على اتفاق دول الاتحاد الأوروبي حماية الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران ضد العقوبات الأمريكية وتمكينها من التعامل باليورو الأوروبي. إلى جانب التوجه الإيراني شرقاً وعلاقتها القوية مع الصين، والتي تستفيد من واردات النفط الإيراني الرخيص.

فيروس كورونا وتزايد الضغوط

إن تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد الإيراني لا تقل وطأة عما تفعله العقوبات الاقتصادية، إذ تعطلت الأعمال الخاصة وتوقفت المصالح الحكومية بعد الارتفاع الكبير وتخطي الإصابات الرسمية المعلنة ما يزيد عن 80 ألف حالة إصابة مؤكدة، ونحو 5 آلاف حالة وفاة، حتى 18 أبريل 2020. 

وقد اضطرت إيران ولأول مرة منذ عام 1962، طلب دعمًا ماليًا من صندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار، في إطار مبادرة التمويل السريع، وهو برنامج لمساعدة الدول في مواجهة الكوارث والأزمات المفاجئة، لمواجهة الأزمة الحالية، وقد فرض انتشار فيروس كورونا عزلة إجبارية ضد طهران بعد غلق المعابر البرية بينها وبين جيرانها، والتي كانت تستخدم لصادراتها السلعية، والحفاظ على تدفق الأموال والبضائع، كذلك من المحتمل خسارتها جزء كبير من عائدات السياحة، يذكر أن طهران قد حققت عائدات تفوق 12 مليار دولار في العام الماضي، نتيجة توقف حركة الطيران.

وفي رده على إمكانية تلقى المساعدة الأمريكية للسيطرة على انتشار فيروس كورونا، صرح الرئيس الإيراني بأن “الزعماء الأميركيون يكذبون… إذا كانوا يريدون مساعدة إيران، فما عليهم سوى رفع العقوبات، عندها سنتمكن من التعامل مع تفشي فيروس كورونا“. ليس هذا فحسب، بل أنه من المرجح أن تعارض واشنطن، من خلال استخدام حقها في النقض في صندوق النقد، لرفض منح القرض لطهران، بحجة استخدامها في أغراض عسكرية، الأمر الذي جعل الرئيس الإيراني، يجدد مطالبات بلاده، باعتباره دولة عضو في صندوق النقد الدولي، بتيسير الحصول على القرض الاستثنائي، باعتبار بلاده الأكثر تضررًا بمنطقة الشرق الأوسط جراء تفشي كورونا، ودعى المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه سوء الوضع بطهران

عودة الحياة الاقتصادية

لا شك أن قرار عودة الحياة الاقتصادية الذي أعلن عنه الرئيس الإيراني رغم هذا التفشي الكبير لفيروس كورونا، لم يكن بالأمر اليسير وإنما يدل على تبعات اقتصادية لا يستطيع الاقتصاد الإيراني المنهك بفعل العقوبات تحملها. فهذه الثنائية الخانقة تجعل عودة الحياة الاقتصادية رغم مخاطرها لا مفر منها، في ظل توقع أن يشهد الاقتصاد الإيراني موجات من البطالة وتراجع النمو.

ويبدو أن محاولات إيران للتخلص من العقوبات الاقتصادية وإبرامها لتعاقدات مع أطراف دولية أتت بثمارها، فقد تلقت طهران، مساعدات طبية من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، التي لا تزال تحترم الاتفاق النووي، في إطار آلية “انستكس” للمقايضة التجارية التي تسمح بالالتفاف على العقوبات الأميركية، المستخدمة لأول مرة، كذلك تلقيها مساعدات طبية من بكين الشريك التجاري التقليدي لطهران.

وفي الختام، فمن المحتمل أن يشهد الاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات الاقتصادية وتداعيات تفشي وباء كورونا تباطؤ معدلات النمو وموجات من البطالة، خصوصا مع عودة الحياة الاقتصادية وإعادة فتح الأعمال من المحتمل أن يتزايد انتشار فيروس كورونا. وهو ما يجعل النظام الإيراني في مأزق حقيقي داخلياً حيث لم يتعافى بعد من أثر الاحتجاجات الأخيرة والتي اندلعت في 15 نوفمبر 2019. 

اظهر المزيد

Hassany Shahat

باحث دكتوراه في الاقتصاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، مهتم بالتحليل الاقتصادي الكلي وسياسات التنمية الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى