اقتصاد

الاقتصاد التركي مشكلات هيكلية تتجاوز قيمة الليرة التركية

برغم قوة الاقتصاد التركي سواء من حيث كونه الأول أوروبيا في الانتاج الزراعي، أو تطور الصناعات الدفاعية فيه بشكل ملحوظ، أو تطور الصادرات التركية وتحقيقها نموا مضطردا بل واختراقات وأرقام قياسية إذا ما قورنت بالسنوات السابقة، أو كونه في المرتبة الاقتصاد١٣ عالميا من حيث الحجم بمعامل القوة الشرائية، وحتى في ضوء أزمة كورونا وتبعاتها، فإن البلاد تشهد انهيارا في سعر صرف العملة غير معهود منذ عقدين تقريبا، ليست هذه المشكلة الرئيسية وإنما هناك إشكاليات رئيسية مرتبطة بالاقتصادات الناشئة وتتعلق بعدم قدرة الاقتصاد على خلق مزيد من الفرص للشباب وارتفاع معدلات التضخم وضعف القدرة على التحكم بها، علاوة على ضعف القدرة على ضبط السياسات المالية والاقتصادية معا في اقتصاد شديد الانكشاف على الخارج، ما يدفع الاقتصاديين والباحثين وكثير من المواطنين العاديين للتساؤل عن مكامن الخلل في هذا الاقتصاد الإنتاجي المتنوع والقوي إلى حد كبير وتحاول هذه الورقة الاشتباك مع هذه التساؤلات

الإنتاج من أجل التصدير وبطالة الشباب:

في الأعوام الأخيرة فإن التقارير الرسمية التركية تشير إلى أن معدلات البطالة ترتفع حتى وصلت إلى معدل ١١.٧٪، وبطالة الشباب على وجه التحديد قد ارتفعت بشكل كبير لتستقر عند ٣٢.٤٪ وهي نسبة مقلقة إذ أن تطلعات جيل الشباب في تركيا مرتفعة لأن غالبيتهم لديهم تعليم جيد سواء مهني وفني أو جامعي وتقني نحن نتحدث عن بلد وفقا لمجلس التعليم العالي التركي لديها ٢٠٧ جامعة ومؤسسة للتعليم العالي لديها ما يقرب من ثمانية ملايين طالب وتخرج سنويا أكثر من مليون ونصف المليون شخص لسوق العمل.

يعتمد نموذج الإنتاج من أجل التصدير في كافة الاقتصادات الناشئة على تقليل كلفة الانتاج إلى أقصى حد ممكن ولذا فإن النموذج الرأسمالي النيوليبرالي المُتبع هنا يعتمد إنتاجا كثيف رأس المال والتكنولوجيا قليل العمل اليدوي والبشري عموما، ومن هنا فالاتجاه نحو الميكنة وتقليل الاعتماد على البشر يصبح النموذج المفضل لدى أصحاب الأعمال، فالميكنة لن تتفاوض على زيادات سنوية للأجور ولا حقوق ولا احتجاجات ولن تعطل الإنتاج، صحيح أن تكلفتها ستدفع مرة واحدة مع تكلفة صيانة وتشغيل قد تكون مرتفعة لكنها في النهاية أرخص من دفع أجور عشرات أو مئات العاملين وبالتالي تحمل كلفة مسئولين إداريين وقانونيين بمشكلات لا حصر لها، بمرور الوقت يصبح هذا هو النموذج المحبب لأصحاب الأعمال، هذا النموذج الإنتاجي يرفع معدلات البطالة لفئة الشباب إلى أكبر قدر ممكن سواء بقصد أو كأثر جانبي، كما تصبح المضاربات هي المجال الأكثر ربحية في السوق وعلى سبيل المثال ووفقا للتقارير سجلت التجارة بالليرة التركية ارتفاعا بنسبة ٥٣.٠٧%، في حين أجرى التبادل التجاري بالليرة التركية مع ١٨٨ دولة، ما يعني أنها قابلة للتداول في هذه الدول وبالتالي صعوبة أكبر في التحكم في أسعارها، وإذا كان صحيحا أن بعض البلدان الصناعية الكبرى كالصين تعمدت في فترات سابقة خفض قيمة عملتها من أجل إغراق الأسواق الأمريكية والأوروبية والحفاظ على حصة عادلة في السوق العالمي إلا أن هذا الأمر بالنسبة للاقتصادات الناشئة مثل تركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا واندونيسيا وماليزيا والفلبين يصبح أكثر صعوبة وبمثابة مقامرة إذا لم يكن ناتجا عن تنسيق دقيق بين السياسات المالية والاقتصادية.

وفي اقتصاد مفتوح فإن سلطة الدولة وقدرتها على التحكم بالسياسات المالية والاقتصادية تصبح محدودة وأحيانا منعدمة إذا ما كانت القطاعات المالية مفتوحة لمضاربات محلية وعالمية على عملاتها المحلية وعلى المعادن فيها وعلى أسهم الشركات وبالتالي تصبح هدفا سهلا لعمليات مضاربات جماعية لا أحد يستفيد منها سوى قلة من المضاربين مهما تزايدت أعدادهم ويتجه المواطنون للدولرة كمخزن للقيمة ويتركون الإنتاج للمصانع الكبيرة وأصحاب الأموال القادرين على شراء التكنولوجيا المتطورة حيث هم الوحيدون القادرون على تحقيق مكاسب على الدوام في هكذا اقتصاد، أما المواطنون العاديون فيكتشفون أنهم قد يخسرون ثرواتهم إذا ما دخلوا هذه الأسواق، وهو ما يؤدي إلى ضعف القدرة على التشغيل وتزايد معدلات البطالة وهي المعضلة الرئيسية هنا.

صحيح أن البنك المركزي يلعب دورا محوريا فيما يتعلق بسعر العملة وأسعار الفائدة هنا ومحاولة كبح جماح ارتفاعات العملات الأجنبية في مقابلها، لكن هذه القدرة التحكمية في العوامل المالية تظل محدودة كما أنها لا تنطبق على بقية العوامل الاقتصادية، وفي ظل مراهنة الرئيس على خفض معدلات الفائدة تصبح هذه القدرة على الضبط المالي شديدة المحدودية، وصحيح أن دلالة سعر العملة في قوة الاقتصاد أو ضعفه مشكوك فيها وإلا لكان الاقتصاد الكويتي هو الأقوى عالميا، كما أن انخفاض سعر العملة قد يكون مفيدا لقطاع السياحة والمصدرين وحتى القطاع العقاري إلى حد كبير، لكن هذا أيضا يعتمد على مدى كون هؤلاء المصنعين والمصدرين يعتمدون على سلع وسيطة مستوردة من الخارج ونسبتها من التكلفة بالنسبة لبقية عوامل الإنتاج، كما أن انخفاض قيمة العملة مع زيادة التضخم يجعل من تفاوض أصحاب العمل خارج دائرة التصدير وداخله مع العمال حول الأجر العادل الحقيقي والحدود الدنيا للأجور والزيادات فيها أمرا غاية في الصعوبة وهو ما انعكس على الاجتماعات المتكررة بين أصحاب الأعمال والنقابات العمالية للتفاوض على رفع الأجور بالتوازي مع الزيادات الكبيرة لمعدل التضخم، إذ فشلت عدة اجتماعات في تحديد الحد الأدنى المتناسب مع الأسعار الجديدة، وهو ما أدى إلى أن يعلن الرئيس نفسه قرار رفع الحد الأدنى للأجور من من ٢٨٢٦ إلى ٤٢٥٠ ليرة لتخفيف أثر انهيار العملة على المواطنين وهو رقم أكبر مما طالب به النقابيون ٣٩٠٠ وأعلى بكثير مما طالب به أصحاب الأعمال ٣١٠٠وحتى من ذلك الذي حددته جامعة حكومية طلب منها التوسط للحل.

إن القدرة على تحقيق الاستقرار هنا مرتبطة بتدخل الحكومة في الوقت المناسب، فبالتوازي مع الانخفاض الحاد في سعر العملة خلال الشهور الماضية في تركيا كان هناك تفاوض جاد وحاد بين العمال ونقاباتهم حيث كانوا يطالبون برفع الحد الأدنى للأجور بمقدار معين وبين أصحاب الأعمال الذين كانوا يصرون بألا يزيد الحد الأدنى عن مقدار أقل، ثم تدخلت وزارة العمل والرئيس وقرر حد أدنى للأجور على النحو الذي بينا علما بأن معدل التضخم حتى الآن لم يتجاوز ٢٢٪، بينما في مصر التي أصبح الجنيه فيها يساوي الليرة التركية وتترصد تركيا بالنقد، ففي الثالث من نوفمبر ٢٠١٦ انهار الجنيه أكثر من ١٠٠٪ في يوم واحد وتجاوز التضخم ال٣٣٪  ولم يعبر المسؤولون العمال في أية زيادات بخلاف الزيادات الاعتيادية المرتبطة بعيد العمال والتي تتراوح بين ٧-١٠٪ ، ولم يطبق الحد الأدني للأجور في القطاع الحكومي بعد رغم إقراره منذ سنوات، بينما القطاع الخاص وأصحاب المعاشات خارج دائرة النقاش العام حول أية حدود دنيا أو زيادات وبعيدة تماما عن الربط بمعدلات التضخم، وتبقى أية محاولة تنظيمية ممنوعة ومقيدة بشكل كبير.

الإنتاج من أجل التصدير أية علاقة بالتضخم؟

يتساءل العديد من المواطنين حول العالم لماذا أسعار هذه السلعة المصنعة في بلداننا عندما تباع في الخارج فإنها في كثير من الأحيان تكون أرخص من نظيرتها في بلداننا؟ وهذه أسئلة منطقية لكن الإجابات البسيطة عليها تحوي خللا كبيرا يفضل المنتج الكبير عادة التعامل مع موزع واحد أو عدد محدود من الموزعين وهذا يتوفر بشكل كبير في المصدرين بل قد يكون المنتج الكبير هو المصدر نفسه، ورغم قدرته على امتلاك شبكة توزيع محلية وإدارتها بأقل تكلفة ممكنة فإنه عادة ما يفضل البيع في الخارج إذ يحصل على أرباحه بالعملات الأجنبية الأكثر استقرارا من عملة بلاده كما أنه لن يخسر كثيرا في دفع أسعار وتكاليف عوامل الإنتاج والسلع الوسيطة المستوردة من الخارج.

تصميم السياسات الاقتصادية باستهداف رفع أرقام الصادرات إلى أقصى حد ممكن دون النظر للسوق المحلية هذا يؤدي بالضرورة لاستنزاف الموارد المحلية لصالح الخارج خصوصا إذا كانت الصادرات هي لصناعات زراعية أو صناعات ثقيلة أو مستهلكة للمواد الخام والطاقة، ويؤدي هذا بالضرورة لرفع معدلات التضخم، إذ أن استهلاك مزيد من الطاقة من قبل المصدرين يرفع من فاتورة استيراد الطاقة في بلد يعتمد على الطاقة الواردة من الخارج بنسبة٩٥٪ من استهلاكه، فلطالما تمثلت المعضلة الرئيسية للاقتصاد التركي في اعتماده على استيراد الطاقة من الخارج، إذ تستورد الغالبية العظمى من احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي من روسيا وإيران وقطر والجزائر وأذربيجان والعراق وغيرها من الدول حول العالم، بفاتورة باهظة تصل إلى أكثر من ٤٠ مليار دولار سنوياً، تشكل العبء الأكبر على الاقتصاد التركي، وسببت على الدوام خللاً في الميزان التجاري. فبالرغم من رفع نسبة الصادرات بدرجة كبيرة عبر تطوير الصناعات المختلفة بقيت فاتورة الطاقة ترجح كفة الواردات على الصادرات.

ومن ثم فإن التقارير تشير إلى تزايد العجز في الميزان التجاري التركي رغم هذه الزيادات الكبيرة في الصادرات وبرغم أن إصرار الرئيس على الاستمرار في خفض معدلات الفائدة، باعتباره حلا للمضاربات ودفعا للمواطنين إلى الاستثمار في التصنيع والانتاج بأشكاله المختلفة والتجارة في السلع والخدمات قد يكون صحيحا من الناحية النظرية، إلا أن اجتماع القلق الحادث لدى المواطنين والتجار والمصنعين الصغار من آثار جائحة كورونا أو إمكانية تطبيق الإغلاق الصارم الذي اتبعته تركيا مرة أخرى مع حالة الضبابية المتعلقة بالمتحورات وعدم وجود رأي علمي قطعي بالقدرة على التأقلم معها أو القضاء عليها عبر اللقاحات الحالية، مع الاضطرابات في سلاسل الإمداد والتوزيع فإن مثل هذه السياسات لا تبدو مجدية على المدى القصير.

 تبقى التجربة التركية رهينة أزمة الطاقة ورغم أنها تعمل على قدم وساق لحل هذه المعضلة سواء عبر مضاعفة إنتاج الطاقة المتجددة أو بعض الاستكشافات البترولية لكنها غير كافية للإنتاج الصناعي الضخم ، كما أن أغلب صراعات تركيا في المنطقة سواء في شرق المتوسط أو مع سوريا والعراق أو آسيا الوسطى وتدخلاتها في هذه الملفات الهامة تقف خلفها محاولة حلحلة أزمة الطاقة بشكل رئيسي، وإذا ما حلت هذه المعضلة فلن يوقف الاقتصاد التركى أو النفوذ التركي في العالم أي تحد كبير.

الانكشاف على الخارج والتعرض للصدمات والقدرة على مواجهتها:

تعتمد الاقتصادات المفتوحة على الخارج بشكل مفرط تمويلا وتجارة على عدد غير محدود من العوامل التي لا يسهل التنبؤ بها أو التحكم فيها وبالنظر إلى هذا النموذج الاقتصادي شديد الانكشاف على الخارج، فإنه يبقى أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية ومؤشرات الاستثمار وأسعار الطاقة التي شهدت تذبذبات شديدة في الأعوام الخمس الأخيرة فأسعار النفط في العامين المنصرمين تحت الجائحة تراوحت بين اتجاهات سالبة لأول مرة في تاريخ النفط عند سالب ٣٧ دولار للبرميل بسبب تداعيات كورونا وحرب الأسعار التي قادتها السعودية في مطلع العام ٢٠٢٠ بالتوازي مع جائحة كورونا وانخفاض الطلب العالمي على النفط، ثم ارتفع مرة أخرى مع تسارع وتيرة اللقاحات والعودة لفتح الأسواق وتخفيف إجراءات الحظر وصولا لأسعار قياسية ٦٩ دولار للبرميل في ديسمبر ٢٠٢١ رغم ظهور متحور الأوميكرون وانتشاره بسرعة، وكذلك فإن هذا الانكشاف يجعل قطاع الصادرات ومن خلفه الاقتصاد برمته أكثر عرضة لأزمات سلاسل الإمداد والتوزيع والشحن وهو أحد أهم العوامل بالنسبة للصادرات حيث ارتفاع أسعار الشحن وتعرض سلاسل التوزيع لآثار أزمة الإغلاق المرتبط بفيروس كورونا أثرت بشكل كبير سواء في ارتفاع أسعار عوامل الإنتاج الوسيطة القادمة من الخارج كالطاقة والمواد الأولية، هذا الأمر يجعل الاقتصاد التركي وأسعار العملة المحلية تتأثر بأصغر التصريحات المتعلقة بالفيدرالي الأمريكي وتحديده للفوائد أو بأية أخبار متعلقة بالسلع الوسيطة القادمة من الصين أو أية أخبار تتعلق بأسعار الطاقة في الشرق الأوسط أو أي مكان في العالم، وفي مثل هذه الأجواء فإن السوق يعمل لصالح الشركات العملاقة فقط، والتي لديها قدرات وخبرات استشاريه عالية وقادرة على توقع أسعار أكبر قدر ممكن من عوامل الانتاج بالتوازي مع التحليل الدقيق للعوامل الجيوسياسية المحيطة بسياسة تركيا الخارجية وهو مالا يتوافر لدى المنتجين متوسطى الحجم أو الصغار الذين تصبح سلعهم المباعة في السوق المحلي مرتفعة الكلفة مقارنة بالأجور الحقيقية التي تتدهور مع تدهور قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما يجعل التفاخر الحاصل لدى النخب السياسية والحزب الحاكم بمعدلات النمو القياسية في الناتج القومي وفي الصادرات التي تشهدها تركيا بفضل الصادرات، مؤشرا خادعا إلى حد ما مثل الكثير من المؤشرات الاقتصادية الكلية المستخدمة عالميا، فبالنسبة لعموم المواطنين ماذا يعني أن يكون معدل النمو في الربع الثاني من العام  ٢٠٢١هو ٢١.٧٪ ووصول تركيا لثاني أعلى معدل نمو في العالم بعد الصين خلال هذه الفترة فيما تتزايد معدلات التضخم والبطالة؟!

يشير هذا إلى نمط إنتاج مميكن كبير وعالي التقنية، ينعكس هذا على الأرقام المرتبطة بأعداد الشركات الجديدة، والشركات الصغيرة والمتوسطة المتواجدة في السوق، التي تضطر إلى تصفية نشاطاتها مما يرفع معدلات البطالة ويزيد الشعور بعدم الرضا عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدى الشباب، في وضع كهذا يصبح سهلا أن تتلقف الأحزاب المعارضة للسلطة الحاكمة هؤلاء الشباب العاطلون عن العمل وتقوم بتجييشهم سواء للمشاركة في احتجاجات ضد السلطة الحاكمة وهو ما ترجم في الدعوات للاحتجاجات من أجل إقالة الحكومة احتجاجا على انهيار أسعار العملة، أو للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة أو التراجع عن النظام الرئاسي وهي كلها قضايا مطروحة بقوة على الساحة السياسية التركية منذ سنوات، ولا ينقصها سوى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. 

تعزي العديد من القوى المعارضة للنظام الحالي الوضع الاقتصادي إلى التدخلات السياسية في المناطق المحيطة، بينما في الحقيقة فإن النفوذ الذي تتمتع به تركيا اليوم أكبر بكثير مما كان عليه من قبل، وهذا النفوذ السياسي مرتبط إلى حد كبير بعملية توسيع الصادرات تلك بل وقدرة براجماتية عالية على توسيع وتنويع قاعدة الموردين للطاقة، وإصرار على إعادة رسم الحدود البحرية بما يخدم المصالح التركية، بعيدا عن الاتفاقات التاريخية المكبلة الناتجة عن ترتيبات الحرب العالمية الثانية، وبالنظر إلى أن تلك الأحزاب لا تملك سوى القدرة على الاحتجاج وصوتا عاليا في الصحافة وصوتا شعبويا مرتفعا يعتمد على اتهام الأجانب وبخاصة السوريين والعرب باعتبارهم سبب المشكلات المتعلقة بالبطالة والتضخم وسعر العملة، دون قدرة حقيقية على حل المشكلات الاقتصادية البنيوية أو تقديم بديل أفضل، يبقى أنه على السلطات الحالية أن تعيد النظر في السياسات المالية وفي قدرة الاقتصاد على التشغيل وأن تحاول الاستفادة من بعض تجارب الاقتصادات الناشئة الأخرى الناجحة.

يبقى من أهم مكامن قوة الاقتصاد التركي وقدرته على تجاوز الصعاب هي الخدمات العامة القوية المتاحة للجميع في كافة المدن على السواء، ودور الدولة التنظيمي القوي الذي استطاع أن يفرض على أصحاب الأعمال إغلاقا دون تسريح للعمال مع تكفل الدولة بتحمل الضرائب والتأمينات الخاصة بهؤلاء العاملين طوال فترة الإغلاق وربط حزم الإنقاذ للقطاعات الاقتصادية المختلفة بعدم تسريح العمال وتوجيه جزء كبير من حزم الإنقاذ لدفع الرواتب، وكذلك النظام الصحي القوي الذي يشتمل على واحد من أفضل نظم التأمينات الصحية الشاملة في أوروبا ويضعها في المرتبة ٤٦ على مؤشر الأمن الصحي، وكذلك قدرتها على تقديم الرعاية الكاملة لكبار السن أثناء فترة الحظر الكامل، كذلك فإن ارتباط الدخول بمعدلات التضخم يعد واحدا من أهم مكامن قدرة الاقتصاد على تجاوز الأزمات حيث لا يقع العبء الأكبر من الأزمة على المواطنين ولا يتم تحميلهم وحدهم كلفة السياسات المالية والاقتصادية، فالزيادات في الإيجارات والرواتب مرتبطة بمعدلات التضخم الرسمية ما يجعل الأوضاع أقرب للاستقرار رغم وجود الأزمات الهيكلية واستمراريتها.

في التحليل الأخير فإن مطالعة الخطط التركية الحالية والمستقبلية تشير إلى أن التجربة التركية طموحة جدا فيما يتعلق بأهداف العام ٢٠٢٣ سواء ما يرتبط بأن تصبح قاعدة صناعية عالمية مابعد صناعية عالية التكنولوجيا، أو أن تكون ضمن القوى الكبرى في العالم، إذ تواجه هذه التجربة تحديات داخلية تتعلق بقدرة النمو الاقتصادي المضطرد رقميا على خلق مزيد من فرص العمل وقدرة قواعد السوق على فرض أجور عادلة وضبط معدلات التضخم وهي مرتبطة بقدرة الحكومة على التوفيق بين السياسات الاقتصادية والمالية، وتحديات خارجية تتعلق بقدرتها على توسيع شبكة تحالفاتها الخارجية وقدرتها على توفير الاستثمارات الأجنبية والاحتياجات المتزايدة للطاقة اللازمة لهذا الإنتاج الكبير وتلك الصادرات الضخمة.

اظهر المزيد

Omar Samir

باحث في العلوم السياسية، حاصل على ماجستير في السياسة الخارجية والاقتصاد السياسي الدولي للثورة المصرية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة 2018، يعمل على قضايا الاقتصاد السياسي الدولي والسياسة الخارجية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد البديل والمؤسسات المالية الدولية والإصلاح المؤسسي، له العديد من الدراسات وأوراق التوصية المنشورة حول هذه الموضوعات ويكتب مقالات لبعض المواقع الإليكترونية مثل البديل ومدى مصر وبالأحمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى