Uncategorized

التمكين الاقتصادي للمرأة في ظل جائحة كورونا: الآثار المحتملة وسياسات المواجهة

محمد سمير الشرباني*

مفهوم تمكين المرأة 

تعد مسألة المساواة في النوع الاجتماعي ” Gender equality” والذي عرفه دليل منظمة  UNICEF لعام 2017 على أنه يشير إلى أن الذكور والإناث يتساوون في الظروف والمعاملة والفرص المتاحة لإدراك حقوق الإنسان والهوية والمساهمة (والاستفادة) من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. حيث أن هذا المفهوم يعني أن المجتمع يعطي قيم متساوية للتشابهات والفروق بين الرجال والنساء والأدوار المتاحة لكلٍ منهما، وينظر إلى كل طرف على أنه شريك كامل في المجتمع والوطن. وهنا المقصود أن الرجال والنساء سيصبح لهما نفس الحقوق والمسؤوليات والفرص دون النظر إلى جنسهما عند الولادة. ويرتبط ذلك المفهوم بعدد من القضايا ذات الصلة مثل فجوة النوع “Gender gap” والتي عرفها ذات المرجع السابق على أنها عدم تكافؤ الفروق بين الرجل والمرأة  الذي يظهر بشكل خاص في الاستفادة من الأهداف التنموية والوصول إلى الموارد ومستويات المشاركة، حيث أن الفجوة تعد مؤشرًا على عدم المساواة بين الجنسين. أيضاً يترتب على وجود تلك الفجوة انخفاض في مستوى تمكين المرأة في النواحي المختلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. حيث سيتم التركيز هنا على الجانب الاقتصادي لتمكين المرأة “Women Economic Empowerment”، والذي أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أنه يتمثل في تشجيع النساء على المشاركة في عمليات النمو والمساهمة والاستفادة منها بطرق تعترف بقيمة مساهماتهم وتحترم كرامتهم وتسمح لهم بالتفاوض حول توزيع أكثر عدالة لفوائد هذا النمو. 

إن التمكين الاقتصادي للمرأة يسمح بزيادة قدرتها على الوصول إلى الموارد الاقتصادية والفرص بما في ذلك الوظائف والخدمات المالية والملكية والأصول الإنتاجية الأخرى وتنمية المهارات ومعلومات الأسواق.

الأهمية 

إن ما يكسب قضية تحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة أهمية بالغة هو أن تلك القضية لا تؤثر فقط على المكانة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمرأة، حيث أن انخفاض مستويات التمكين الاقتصادي للمرأة  يؤثر على الأداء الاقتصادي والمجتمع ككل، ويرجع ذلك إلى ارتباطه بعدد من القضايا منها ما يلي (Kabeer, 2009):

1- حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية: حيث يرتبط مفهوم التمكين بمظاهر عدم المساواة بين الجنسين في تقسيم العمل المدفوع بأجر وغير المدفوع. إضافة إلى قدرة المرأة الرئيسية في القيام بأعمال العناية غير مدفوعة الأجر من خلال الأعمال المنزلية، وما يتعلق بذلك من درجات عدم المساواة المصاحبة لها في الوصول إلى الفرص والموارد حيث يترك المجتمع النساء والأطفال يعتمدون على الرجال من أجل توفير احتياجاتهم.

2- التنمية البشرية: إن تمكين المرأة اقتصادياً ووصولها إلى الموارد والتحكم فيها، له آثار إيجابية قوية على رفاهية الأسرة. حيث أن هذا التمكين يزيد من فرص البحث عن خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، وضمان بقاء أطفالهم وصحتهم وتغذيتهم وتعليمهم.

3- تخفيض معدلات الفقر: حيث يساعد الاستثمار في الموارد الاقتصادية للمرأة الأسر المعيشية الفقيرة على تجاوز الأزمات ويزيد من فرصها في الخروج من دائرة الفقر.

تمكين المرأة كهدف من أهداف التنمية المستدامة:

زادت أهمية تحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة خاصة منذ بداية الألفية الثانية حيث جاء هذا التمكين بمثابة الهدف الثالث من الأهداف الإنمائية للألفية Millennium Development Goals (MDGs)  الذي نص على ضرورة تعزيز المساواة في النوع وتمكين النساء. أيضاً استمر الاهتمام العالمي بقضية تمكين المرأة ليتم إدراجها ضمن أهداف أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، حيث أن الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة ينص على الحد من التفاوت بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات.

التكاليف والمكاسب الاقتصادية للتمكين الاقتصادي للمرأة:

اختلفت التقديرات الدولية لأثر تدني مستويات التمكين الاقتصادي للمرأة أو بمعنى آخر زيادة التمييز على أساس النوع. فمن ضمن تلك التقديرات أشار تقرير لمنظمة OECD في عام 2016 إلى تكلفة التمييز على أساس النوع بما يقرب من 12 تريليون دولار أمريكي للاقتصاد العالمي. كما أوضح نفس التقرير أن التخفيض التدريجي لهذا التمييز يمكنه أن يقود إلى زيادة سنوية في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي يبلغ متوسط تلك الزيادة المقدرة بنسب تتراوح بين 0.03 إلى 0.6 نقطة مئوية بحلول عام 2030. أما فيما يتعلق بخسارة الدخل إقليمياً المصاحبة للتمييز النوعي قدرت بحوالي 6.1 تريليون دولار في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية و2.44 تريليون دولار في دول شرق آسيا والمحيط الهادئ و888 مليار دولار في جنوب آسيا و733 مليار دولار في شرق أوروبا وآسيا الوسطى و658 مليار دولار في أمريكا اللاتينية والكاريبي و575 مليار دولار في الشرق الأوسط وأفريقيا و340 مليار دولار في أفريقيا جنوب الصحراء. إضافة إلى أن الوصول إلى عالم خالٍ من التمييز على أساس النوع قد يتولد عنه مكاسب اقتصادية ضخمة ستفيد الجميع، حيث أن ذلك لن يترتب عليه فقط تحسين حقوق المرأة وتمكينها بل أيضاً تحسين مستويات معيشة الدول مقاسة بـمتوسط دخل الفرد. وتشير بعض التقديرات إلى أن متوسط نصيب الفرد من الناتج العالمي في عام 2030 سيصل إلى 8378 دولار أمريكي في ظل التمييز على أساس النوع  مقارنة بـ 9142 دولار أمريكي إذا تم القضاء بشكل كامل على التمييز على أساس النوع، وبالتالي يزيد متوسط دخل الفرد بحوالي 764 دولار أمريكي للفرد.

أوضاع تمكين المرأة عالمياً وإقليمياً:

بدأ المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum في إصدار المؤشر العالمي للفجوة الجندرية Global Gender Gap Index منذ عام 2006. ويقيس المؤشر الفجوة من خلال حساب متوسط مرجح لأربعة مؤشرات رئيسية كلٍ منها بعدًا مختلفًا من أبعاد فجوة النوع؛ البعد الأول يتمثل في المشاركة الاقتصادية والفرص (Economic Participation and Opportunity) حيث يغطي ذلك البعد متغيرات ترتبط الفجوة بين الرجال والنساء في المشاركة في سوق العمل والأجور وتولي مناصب قيادية وفنية. أما البعد الثاني يتمثل في التحصيل التعليمي Educational Attainment الذي يتضمن متغيرات تتعلق بالفجوة في الوصول إلى الخدمات التعليمية والإلمام بالقراءة والكتابة. بينما البعد الثالث يتمثل في الصحة والبقاء على قيد الحياة Health and Survival، حيث يقيس فجوة الصحة بين الرجال والنساء من خلال عدة إحصاءات مثل نسبة الجنس عند الميلاد sex ratio at birth والتي تقيس مدى تفضيل الذكور على الإناث في الدول المختلفة وتوقع العمر عند الميلاد. وأخيراً البعد الرابع الذي يتمثل في التمكين السياسي Political Empowerment بحيث يقيس فجوة النوع فيما يتعلق بالمشاركة في المستويات السياسية العليا لصنع القرار من خلال الإحصاءات المتعلقة بنسبة المرأة المشاركة في الوظائف الوزارية ومقاعد البرلمان حيث يأخذ المؤشر الاجمالي قيمًا تتراوح بين (صفر) وهي أعلى درجات الفجوة وعدم العدالة بين الجنسين و(1) وهي أقل درجات الفجوة وتمثل العدالة التامة بين الجنسين.

فعلى المستوى العالمي، وفقاً لآخر تقرير للمؤشر لعام 2020، إن مستوى العدالة (سد الفجوة) بين الجنسين وصل إلى 68.6% على مستوى العالم ولا يزال هناك فجوة في النوع بنسبة 31.4% في المتوسط تحتاج إلى الإغلاق حيث أشار التقرير إلى أن الجزء الأكبر من الفجوة يتمثل في البعد السياسي حيث أنه حتى عام 2020 لم يغلق سوى 24.7% من تلك الفجوة على مستوى العالم. ثم في المرتبة الثانية يأتي البعد الاقتصادي الذي أغلق منه حوالي 57.8% عالمياً. أما على مستوى البعدين التعليمي والصحي فقد تم إحراز تقدم كبير في سد الفجوة وصل إلى 96.1% و95.7% على الترتيب. 

أما على المستوى الإقليمي، جاءت في المرتبة الأولى منطقة أوروبا الغربية حيث نجحت في سد ما يقرب من 77% تقريباً من الفجوة بين الجنسين في الأبعاد المختلفة. بينما احتلت أمريكا الشمالية المرتبة الثانية بغلق نسبة حوالي 73 من إجمالي الفجوة، ثم جاءت دول أمريكا اللاتينية والكاريبي في المرتبة الثالثة بنسبة 72% تقريباً، يليها شرق أوروبا ووسط آسيا بنسبة 71% ثم شرق آسيا والمحيط الهادي بنسبة 68,5%، ثم منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 68.2% وجنوب آسيا بنسبة 66% لتحتل المرتبتين السادسة والسابعة على التوالي. بينما احتلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبة الثامنة والأخيرة بنسبة سد للفجوة بلغت 60.5% فقط.

تأثير جائحة كورونا على الجوانب المختلفة لتمكين المرأة عالمياً:

في ظل التأثير السلبي لجائحة كورونا على مختلف القطاعات الاقتصادية والأداء الاقتصادي لمعظم الدول المتقدمة والنامية، يصبح من الهام مناقشة أثر تلك الجائحة على تمكين المرأة خاصة بعد التوضيح السابق لأهمية مسألة زيادة مستويات تمكين المرأة والتكاليف الاقتصادية لاستمرار التمييز بين الرجال والنساء حيث أشار تقرير حديث للمركز الدولي لبحوث المرأة بالولايات المتحدة الأمريكية (International Center for Research on Women,2020) إلى أن التأثير السلبي لتفشي فيروس كورونا  المستجد على المرأة  على المستوى العالمي يرجع إلى العديد من الأسباب منها ما يلي:

1- التأُثير السلبي للمرأة في القطاع الصحي: حيث تمثل المرأة  وفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية حوالي 70% من العاملين في مجال العناية الصحية عالمياً وبالتالي فهي تقع في الصفوف الأمامية المعرضة للإصابة بفيروس كورونا المستجد. إضافة إلى أنه ما يزيد من خطورة هذه الموقف هي ارتفاع التمييز في الأجور بين الرجال والنساء في مجال العناية الصحية عالمياً (المرأة تحصل على أجور أقل بنسبة 11% من الرجل)، مما يصعب من قدرة المرأة على الوصول إلى الإمدادات الضرورية والعناية اللازمة لمواجهة هذا الفيروس المستجد.

2- التواجد الكبير للمرأة في القطاع غير الرسمي: قدرت منظمة العمل الدولية أن ما يقرب من 195 مليون وظيفة سوف تُفقد نتيجة للجائحة وأغلب تلك الوظائف في القطاعات التي تهيمن عليها العمالة من النساء. ووفقاً لنفس التقديرات أشارت المنظمة إلى أن أكثر من 740 مليون من النساء حول العالم تعمل في القطاع غير الرسمي وهن من ضمن العمالة منخفضة الأجر. بالتالي في ظل انخفاض الحماية الصحية والاجتماعية في هذا القطاع وتعرض المرأة للاستغلال سيعرضها لمزيد من المخاطر في ظل تفشي كورونا.

3- التأثير السلبي على مستويات التمكين الاقتصادي للمرأة: ففي ظل الأعراف الاجتماعية السائدة تؤدي المرأة ما يقرب من 76% من إجمالي الساعات الخاصة بالعناية غير مدفوعة الأجر وأكثر بمقدار ثلاث أضعاف على الأقل مما يتولى الرجل القيام به. وفي ظل الأزمات الصحية (مثل تفشي فيروس كورونا) يزداد العبء على النساء للعناية بأعضاء الأسرة من الأطفال وكبار السن المعرضون للإصابة بالمرض. هذا كله يترتب عليه تخفيض الوقت المتاح أمام المرأة لممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

تأثير جائحة كورونا على الجوانب المختلفة لتمكين المرأة في المنطقة العربية:

تحتل قضية تأثير الجائحة الحالية على تمكين المرأة في الدول العربية أهمية خاصة حيث يرجع ذلك إلى أن الدول العربية وخاصة تلك الواقعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعد الأولى على المستوى العالم من حيث التمييز بين الرجال والنساء أو بمعنى آخر الأقل من بين دول العالم فيما يتعلق بمستويات تمكين المرأة. في ضوء ذلك توقع تقرير أصدر من قبل هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women,2020) أن الأثر السلبي للجائحة على المرأة في المنطقة العربية يتمثل عدة نواحي منها ما يلي:

1- تتواجد المرأة في المنطقة العربية في مواقع تجعلها معرضة أكثر للإصابة بالفيروس حيث تسيطر المرأة على الوظائف ذات الصلة بالتمريض وغيرها من خدمات الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية. كما المرأة تقوم بالجزء الأغلب بالرعاية لأعضاء الأسرة من كبار السن والأطفال ويزداد عبء تلك الأعمال في ظل إغلاق المدارس مما يرهقها نفسياً وجسديا ويزيد من خطر إصابتها بالمرض.

2- يتوقع أن يترتب على تفشي فيروس كورونا خسارة ما يقرب من 700 ألف وظيفة تشغلها النساء.

3- تؤثر الجائحة سلبياً على عدد من القطاعات الاقتصادية خاصة قطاعي التصنيع والخدمات في المنطقة العربية وستتضرر المرأة من ذلك نظراً لعمل نسبة كبيرة من النساء في تلك القطاعات وسوف تتعرض إما لفقدان عملها أو العمل في ظل ظروف تعرضها للإصابة بالفيروس.

4- تشكل المرأة ما يقرب من 62% من العاملين في القطاع غير الرسمي ونظراً لضعف الحماية في هذا القطاع وتوقع تضرره بشكل كبير، ستكون المرأة من أكبر المتضررين من ذلك.

5- اتساع الفجوة الرقمية بين الرجال والنساء ويتمتع الرجال بقدرة أكبر على الوصول إلى خدمات الإنترنت وغيرها من خدمات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في المنطقة العربية. مما يترتب عليه ضعف قدرة المرأة على الوصول إلى خدمات التعليم عن بعد وكذلك صعوبة الحفاظ على الأوضاع المهنية للمرأة التي تتطلب في بعض الأوقات استخدام تلك التكنولوجيا.

السياسات المطلوبة لتخفيف ومواجهة الآثار المحتملة لجائحة كورونا على أبعاد تمكين المرأة:

 تنوعت السياسات المطلوبة لمواجهة الآثار المتوقعة لجائحة كوفيد-19 على تمكين المرأة في التقارير الدولية ذات الصلة والتي سبق ذكرها. لكن يمكن القول بأن أهم تلك السياسات والاجراءات التي يجب على الحكومات القيام بها تشمل ما يلي:

  1. تأسيس قواعد بيانات دقيقة ومصنفة بناءً على النوع عن جائحة كورونا.
  2. القيام بتوفير المزيد من المساعدات وغيرها من إجراءات الحماية الاجتماعية للنساء.
  3. توفير الخدمات الصحية للنساء على قدم المساواة مع الرجال.
  4. تطوير أساليب وبرامج للتعلم عن بعد تخدم مختلف الفئات وبشكلٍ خاص النساء والفتيات.
  5. مشاركة النساء المناصب القيادية التي تسمح لها بالمساهمة في عملية صنع القرار والسياسات اللازمة لمواجهة الجائحة.
  6. الاستثمار في المجالات التكنولوجية التي تسمح بتعزيز استفادة المرأة ووصولها إلى مختلف الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، وبما يسمح لها أيضاً من الحصول على فرص تدريبية ووظائف ملائمة.

*باحث دكتوراه في الاقتصاد، مدرس مساعد، كلية سياسة واقتصاد، جامعة بني سويف.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى