سياسة

الربيع العربي من تونس .. بعد 5 سنوات

زينب بوملاسة

مازال الشاب بداخلي يصرخ .. منذ سنة 2011

في تلك الآونة كان صراخ الشباب حيا في نفوسنا عاليا هز كل العالم من حوله. ولكن ذاكرة الشعوب ضعيفة وذاكرة السياسيين أضعف.

لما تسلمت الحكومة الجديدة السلطة بعد أول انتخابات شرعية في البلاد لم تكن تعلم ما الذي يجدر بها فعله ومن أين عليها أن تبدأ، وما الذي وقع في البلاد تحديدا وكيف وقع كل ذلك بتلك السرعة ..  بالتأكيد كان الجميع في نفس الآونة يخطط وفعلا قبل أن تحدد القوى الوطنية يومها بوصلتها استدرك أعداء الأمس مسارهم وعدلوا نهجهم ونظموا صفوفهم واستعانوا في ذلك بحلفاء جمعتهم المصلحة الواحدة.

في خضم كل هذا انساق الكل مع التيار وترجلت القرارات وغدا كل فعل  نتيجة لرد فعل مبني على ضغوط من الشارع أو من الخارج أو لإكراهات موضوعية وذاتية. ثم فجأة تحول هذا الانسياق وهذا الاكراه إلى خيار استراتيجي واندماج كلي في مسار ونظام ثار ضده الشعب. التوافق والتحالف أو الفوضى والمجهول، المصالحة والتطبيع أو المحاصرة والتضييق.

فعلا كان خيارا استراتيجيا راعى بالدرجة الأولى مبدأ التعايش السلمي لكل الموجودين في هذه البلاد، والذين ينقسمون إلى شباب تمرد على الموجود والسائد وفي لحظة تاريخية فارقة نجح في القطع مع نظام الدكتاورية في تونس، شباب غير مؤدلج وغير مسيس يحلم بغد أفضل وبمستقبل أجمل. أيضا إلى كهول وشيوخ أنهكم النظام القديم واراهم الويلات وسرق منهم الزمن زهرات شبابهم، اجمل أمانيهم اليوم أن يعيشوا بسلام ما تبقى لهم من الحياة، وفئة أخرى ممن خسرت نفوذها بعد الثورة وصار كيانها مهددا، يزعجها كل تغيير وكل تمرد على الموجود ومستعدة للتحالف مع الشيطان من أجل الابقاء على مصالحها.

ما كان ينتظره كل شاب هو التغيير قولا وفعلا، هو الجرأة في طرح الملفات الحقيقية التي توجع الشعب، هو الوقوف والتكتل ضد الفساد وضد نهب ثروات البلاد.

للأسف سار التيار عكس الانتظارات وانساقت حركة النهضة بصفتها الحزب الأكثر شعبية والأقرب لهموم الشعب مع الموجود وأقرت في النهاية بعد 5 سنوات من الثورة على لسان رئيسها بأن البلاد لا يمكن أن تحلق الا بجناحين، وفي تقديرنا جناح يعلو ويستمر في العيش على أنقاض مآسي الشعب وهمومه وأحزانه وآلامه يشكله النظام القديم بمختلف تمظهراته السياسية والاقتصادية وجناح يعدل الكفة ويرضى بالقليل مقابل ان يضمن حقه في الوجود وإن لم يكن وجودا فاعلا في الحقيقة.

في مقابل كل هذا وجد الشعب نفسه والشباب خاصة ملقى على حافة الطريق، انتهى المسار بالبلاد لأن تدار من قبل مفسدي الأمس ومستكيني اليوم وما بينهما عمود فقري يدعى شباب تونس لا يلتفت إليه أحد بل يثقل كاهله الكل، بطالة، فقر، تهميش مقابل تنامي ثروة الأثرياء واستفحاش ربح الجشعين والناهبين لخيرات هذه البلاد.

الشباب لم ينتخب ولم يشارك في العملية الانتخابية، لأنه بات واثقا بأن التغيير أبعد أن يكون عبر هذه الطريق. الشباب أيضا يعجز عن التنظم الحقيقي. معلوم أن اللعبة السياسية في تونس تدار من قبل أصحاب النفوذ، حتى الحق في ممارسة العمل السياسي يقتضي نفوذا ومالا كثيرا، والمال في هذا العالم لا يمنح إلا لأصحاب المصالح المشتركة. في النهاية لا أحد سيتقاسم معنا نحن الشباب في هذا البلد طموح بناء وطن خال من الفساد و يحفظ كرامة المرء.

عجلة البلاد تسير في طريق ذي أفق محدود وقصير جدا نهايته أمل الحياة عند الولادة لأحد الشيخين الشيخ راشد الغنوشي أو رئيس البلاد الباجي قايد السبسي، وما بعدها مجهول. 

وبين شد هذا الذي يعجز عن تقديم أي تغيير يرجى وجذب ذاك الذي لا بديل يقدمه غير الخراب والفوضى يجد الشباب نفسه. بين هذا الذي لا يملك شيئا ليقدمه وبين من يستحثه إلى المضي نحو العدم واللاشيء.

شباب العالم العربي جميعا شباب ممنوع من الحلم ممنوع من الكلام ممنوع من الاستياء ممنوع من الابتسام.. وكل يوم تزيد الممنوعات أمامه وكل يوم يكتشف الشباب في العالم العربي أن مصيرهم العيش على انتفاضات متواصلة يرشقون فيها بالحجارة محتلا أو مستبدا أو فاسدا أو نظاما قائما أو يرشقون بعضهم البعض في ظل حروب اهلية أو طائفية تحاك من الخارج .

ربيع عربي انتهى بدمار سوريا، وحرب أهلية في اليمن، واحتلال لليبيا وانقلاب عسكري في مصر.. وعودة مضمنة شرعية للنظام القديم في تونس، نظام المافيات والرأسمالية الجشعة فقط مع تغير الأسماء وربما الابقاء على بعضها ..

ربيع لم تنل منه الشعوب العربية غير سفك الدماء وهتك الأعراض والتشرد. ونكتفي نحن هنا في تونس بالسلام حقنا لكل دم يمكن أن يسفك في وطننا وقد كرهنا دماء اخواننا في الخارج.

ربيعنا يا سادة العالم اغتصبته القوى المتآمرة في الخارج بايعاز وعون من عملاء الداخل. 

من قال أن إرادة الشعوب لا تقهر ؟؟  ارادة الشعوب قهرت والربيع غدا حريقا تلتهمه نيران الفتنة والطائفية والعمالة. 

ولكن جميل أن التاريخ تكتبه ايضا هذه الارادة المهتوكة والمقهورة وجميل أن تداول الأيام بين الناس سنة وسيكون يوم يقف فيه العالم شاهدا على انتهاء الظلم. 

الربيع العربي قضى على ظالمين كثر وكسر شوكة أعتى المستبدين. نتائجه اليوم وخيمة على الشعوب العربية أو كذلك شاؤوا لها أن تكون ولكن هؤلاء الذي شاؤوا سيقضي على ظلمهم ربيع آخر فالفصول تداول ولكن لكل فصل أجله المحتوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى