سياسة

المؤسسة الدينية والدولة في العراق..بين طروحات الاسلام السياسي والنظريات البديلة

علي المعموري

مدخل

لقد صار واضحا للمتابعين ضرورة ملاحظة دور المؤسسة الدينية البالغ الأهمية عند محاولة دراسة البنى المجتمعية التي تؤثر على السياسة العامة للدولة في العراق.

وهذه الدراسة لا تحاول أن تقدم صورة شاملة عن هذا الموضوع، لأنه بغاية الصعوبة والتعقيد والسعة، ولا يمكن حصره بدراسة مختصرة مثل هذه، وفي واقع الأمر، فإن جل ما تهدف له الدراسة هو تقديم لبنة أساس تصح أن تكون كمدخل لدراسة جذور العلاقة بين الدولة، وبين المؤسسة الدينية، ثم الأحزاب ذات الطابع الديني في العراق، عبر تتبع منابعها الفكرية، ثم تلمس تلك المنابع في مظاهرها السياسية لاحقا.

ان هذه الدراسة هي عرض لأهم الأفكار التي تؤثر في العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، والأحزاب الدينية في العراق، وهي تصح ان تكون كمدخل توضيحي أكثر من كونها دراسة تحاول الأجابة على أسئلة محددة وفق فرضية محددة كما هو معهود في الدراسات الأكاديمية.

وقد يكون من المحرج والخطر حقاً التطرق إلى هذه المسألة في العراق الحاضر، ولكن النية السليمة، والمعطيات التاريخية والحال الحاضر هي شفيع الدراسة في التطرق إلى هذا المسألة خصوصاً أنها تشكل ركنا أساساً في أزمة العراق الحاضرة رغم الوعورة الاكاديمية التي تجابه السائر في هذه الناحية البحثية.

وبقدر تحفظي على التحزبات الطائفية، ورفضي القاطع لها، وللعناوين المفَّرقة التي تقود إلى التناحر الطائفي مما راج في العراق اليوم، إلا أن طبيعة البحث العلمي والاكاديمي تستلزم تسمية الاشياء بمسمياتها، وهو ما دفع باتجاه ان أن اذكر في هذه الدراسة اسماء مسميات المؤسسات الدينية في العراق حسب الفاظها التاريخية التي يمكن ان تثير البعض.

ولعل أول ما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد مما لابد من الحديث عنه بصراحة هو دور المسألة الطائفية عبر تراكمها السياسي في عمر الدولة العراقية الحديثة، ومن غير الممكن التطرق بتفصيل لهذا الموضوع في هذه الدراسة، ولكن لفهم دور الدين وكيف صارت المؤسسة  الدينية تؤثر في سياسة الدولة ووجودها فلابد من التطرق بصورة عابرة إلى هذه المسألة.

وقد وضع الملك فيصل الأول* يده على المشكلة منذ قدومه إلى العراق ومبايعته ملكا للبلاد، فقد كتب مذكرة أوضح فيها أثر ميراث الاحتلال العثماني التركي على العراق()، فقد كتب: ((ان العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسما كرديا أكثريته جاهلة بينه أشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي عنها بدعوى انها ليست من عنصرهم، وأكثرية شيعية جاهلة منتسبة عنصريا إلى نفس الحكومة، إلا ان الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين))، وبعد أن يستطرد في سرد مشاكل المجتمع ينتهي إلى القول: ((فإذا لم تعالج هذه العوامل بأجمعها، وذلك بقوة مادية وحكمة معاً ردحا من الزمن حتى تستقر البلاد وتزيل هذه الفوارق الوطنية الصادقة وتحل محل التعصب المذهبي والديني، هذه الوطنية التي سوف لا تكون إلا بجهود متمادية وسوق مستمر من جانب الحكومة بنزاهة كاملة، فالموقف خطر))().

وهذه الملاحظة من الملك الراحل تفسر الكثير من المشاكل الاجتماعية والسياسية التي ظهرت في العراق وكان يقف خلفها التحزب الديني والمذهبي().

فالصدام الطائفي ينطلق أساسا من تصورات دينية، وخصوصا في العالم الاسلامي العربي حيث تشكل مسألة الهوية الدينية حجر الزواية كبديل للهوية الوطنية()، وهو يمثل تهديداً رئيساً للوحدة الوطنية، وسلامة السياسة، والأمن الوطني بطبيعة الحال ما هو إلا استقرار تلك الامور مجتمعة.

ويذكر د. غسان العطية ما يؤيد هذا حينما يصف الدولة العراقية التي قامت في العراق بعد الحرب العالمية الاولى بأنها كانت ((عبارة عن لملمة فليس في التاريخ كله دولة اسمها العراق))، من جانب آخر يطرح ما يوضح ان الرغبة التي تحدث عنها الملك فيصل الاول في بناء لحمة وطنية، وإشراك من لم يشركوا في الحكم من قبل قد تحققت بدرجة كبيرة في العصر الملكي، بل زادت نسب العرب الشيعة في الوظائف الحكومية والجيش والادارات على غيرهم، ولكن الاقصاء الطائفي بدأ في المراحل اللاحقة المتأخرة بعد انتهاء العهد الملكي، كما يذكر د. العطية().

وبالعودة إلى المسألة الطائفية، يلاحظ أنه وبالرغم من الفروقات المذهبية التي استغلتها الجماعات المتشددة في العراق للقتال فيما بينهما، إلا انها تتوحد في الكثير من الأمور النظرية للمفارقة.

فمسألة عالمية الاسلام، وضرورة الاحتكام للشريعة في السياسة والحياة تشكل منطلقا واحدا للحركات الاسلامية جميعها().

وإذ يجدر التطرق إلى بعض الاختلافات بين النظرة إلى السياسة والعلاقة مع الدولة بين المؤسستين السنية والشيعية إلا انه من الضروري الاشارة إلى ان الطرفين بحد ذاتهما لم يكونا على واقع انسجام داخلي ووحدة تامة في تلك النظرة إلى الدولة، فقد وقفت بعض فئات المؤسستين مع الدولة، فيما عارضتها أخرى، على تفاوت بين الاثنين بطبيعة الحال، مما يجده المتتبع للتاريخ السياسي للعراق().

أولا: الدولة في الفكر الديني الحديث في العراق.

ان من الشائك والعسير حقاً أن نقدم عرضا وافيا للتفكير في الدولة عند المدارس الإسلامية بمختلف مشاربها، وأثر ذلك في توجهات المؤسسة الدينية في العراق حول السياسة من ثم، فالموضوع لسعته وتعدد التأويلات والشروح ووجهات النظر حوله سوف يوقعنا في مطب مادة نظرية تستلزم جهدا بحثيا مستقلا لها، للإلمام ــ مجرد الالمام ــ بجوانبها دون القدرة على الإحاطة التامة بها فضلا عن استيعابها.

وإزاء هذا، سوف نحاول قدر الإمكان ان نسوق أهم الركائز الاساس التي تتمحور حولها نظرية الدولة في المدارس الاسلامية المختلفة، لنلج بعدها إلى تلمس أثر ذلك في المؤسسة الدينية في العراق بشقيها الكريمين.

ونستطيع القول ان هناك عنوانين رئيسين يمكن ان نلج عبرهما للموضوع:

1ــ الميراث التاريخي للحكم الاسلامي.

يتلخص بالرؤية الاسلامية التقليدية بين المذهبين، وهي الخلافة عند المذهب السني، والإمامة عند المذهب الشيعي.

فالخلافة تستند إلى أن الخليفة يقوم مقام الرسول (ص)، فهو خليفته في إقامة الدين وسياسة الدنيا، ولكون الخير العام الذي تقوم عليه فلسفة الدولة في الاسلام ينتهي إلى مصلحة عليا هي إقامة المجتمع الإسلامي كما صوره القرآن الكريم، وأطرته السنة النبوية الشريفة، وحيث أن وظيفة الرسول (ص) هي التبليغ عن الله عز وجل، ووظيفة القيام على أمر الله، وسياسة الدنيا به، وحين وفاته فقد انتقلت الوظيفتان إلى خليفته، بملاحظة ان وظيفة التبليغ قد انتهت بكمال الرسالة وتمام الدين وموت الرسول، فبقيت الوظيفتين الاخرتين اللتين يجب ان ينتخب المسلمون من يقوم بهما().

وتتمثل عملية انتخاب الخليفة بمبدأ الشورى، وهو ما حدث في اجتماع سقيفة بني ساعدة في المدينة المنورة، الذي أفضى إلى انتخاب الخليفة الراشد الأول ابي بكر الصديق وتأسيس دولة الخلافة الراشدة()، التي شكل قيام الدولة الأموية نهايتها، ونهاية مبدأ الشورى، إذ قامت على العصبية القبلية، ونظام توارث الحكم().

أما الإمامة، وعند الشيعة الاثنا عشرية الامامية خصوصا، فهي تستند إلى النص والتعيين، أي أنهم لا يرون الشورى في تعيين خليفة النبي، بل إن النبي قام بنقل نص إلهي عيّن فيه الإمام بعده، الذي يقوم عقب وفاته، وإليه تؤول صلاحيات التشريع بعده، ويكون الإمام فيه معصوما بعصمة تختلف عن عصمة النبوة الإلهية، إذ تتمثل العصمة عند الإمام بكونها ((قوة في العقل تمنه صاحبها من مخالفة التكليف مع قدرته على مخالفته))، ويوصي كل إمام بوصيه، أي إمام بعده، وبالمثل فقد أوصى الرسول (ص) بنص الله للإمام علي بن أبي طالب ليكون خليفته().

2ــ انتهاء الخلافة وغياب الإمام.

نعني بهذا مجمل النظريات السياسية الإسلامية التي تبنتها حركات الاسلام السياسي لتفسير قيام الدولة في ظل انتهاء عصر الخلافة، وغياب الإمام المعصوم.

وتجب الإشارة إلى ان مفهوم الدولة والرؤية تجاهها عند الحركات الإسلامية لا يسير في وتيرة واحدة، ويختلف باختلاف التجارب الفكرية لدى كتابها ورموزها.

ففي الوقت الذي نجد ان واحدا من أبرز هذه الآراء هو رأي مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، الشيخ حسن البنا* يذهب إلى ان الاشكال الدستورية الغربية للحكم لا تتناقض مع الاسلام إذا ما تم تطويعها لتتناغم مع الشريعة الإسلامية، وإسنادها إلى مبدأ الشورى الإسلامي لتصبح في روحيتها غير متناقضة مع القرآن الكريم، وهو إذ يرى بأن المصدر النهائي لشرعية الشورى هي الجماعة، فانه ينتهي إلى ان امكانية تمثيل الجماعة عبر حزب واحد غير ممكن، مما يمهد لقبوله نظرياً بالآخر وحقه في الاختلاف، والتعددية السياسية، مع التأكيد على استثناء الأحزاب التي تناقض وحدانية الله().

وبالرغم من ذلك كله، فإن الخلافة الاسلامية تشكل الركن الأساس من فكره حول الدولة، وهي تعد الهدف النهائي لشكل الحكم الذي يجب أن يوجد على الأرض، وهي تعتبر رمز الوحدة الاسلامية الذي قُوّض بإلغائها على يد مصطفى كمال، لينصرف في النهاية إلى الإيمان بضرورة تبني منهاجاً إصلاحياً يقوم على شد المسلمين في تعاون اقتصادي واجتماعي وتربوي تمهيداً لإحياء الخلافة().

بينما نجد ان سيد قطب* يسير في منحى آخر يسميه د. احمد الموصللي (الاستبعاد المتشدد) ويعتبر خطاب سيد قطب الخطاب المؤسس لهذا الفكر التشددي عند الحركات الاسلامية المعاصرة، فهو على نقيض البنا يستبعد أي دور للآخر ــ عدا الاسلاميين المتشددين ــ في الدولة والحياة، بل هو قد صنف جميع الآخرين الذين لا يقفون موقفه على انهم كافرين، وأن المجتمعات الحديثة تعيش في جاهلية رغم كونها تعد اسلامية من الناحية النظرية، وهو ينطلق أساسا من فكرة حاكمية الله() التي هي المكون السياسي للتوحيد، وهو يرى أن المجتمعات حرة ما لم تنتهك حاكمية الله، التي تشكل جوهر النظام السياسي والاجتماعي والديني، مما يعني ان علوية التشريع؛ وألوهيته تسلب الافراد والدول الحق في اصدار التشريعات وتحديد الواجبات، لينتهي إلى ضرورة التزام الناس، مسلمين وغير مسلمين بالشريعة الاسلامية().

وعلى طرف ثالث نجد أن حسن الترابي* يسير باتجاه مغاير للاثنان معا، فهو يسقط عدة شروط من تلك التي يفترض أن يؤطرها الدستور الاسلامي وطبيعة المؤسسات التي تنتج عنه، وهو يسترسل ليضع حدوداً إسلامية لوظيفة الدولة حتى تقترب لليبرالية، ليرى ان على الدولة الاسلامية أن ((لا تتعدى حدود وضع القواعد العامة التي تمكن المجتمع من تنظيم أموره، إذ ان الشرعية تحد من سلطة الدولة، وتحرر المجتمع إلى أقصى الحدود، على أساس ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عمل المجتمع لا الدولة))، ثم ينتهي إلى ضرورة وجود تعدد في الآراء، والاجتهادات، لأن الظروف الحاضرة للمسلمين تتطلب منهم إيجاد فهم جديد للدين يتجاوز الاصول التقليدية إلى تطوير أصول جديدة تناسب الحداثة()، فجمود الاسلام في هيئته التقليدية ــ بتعبيره ــ هو عصبية تحجبه وتقطعه، وتمنعه من أن يتجدد في الزمان والمكان، بل هو يذهب إلى ان دائرة الاسلام لم تؤسس على مركزية مطلقة، وأن الاقطار التي دخلت فيه تركت لها حرية واسعة في مذهبها الفقهي وسلوكها السياسي، بل حتى سمحت بتعدد الأئمة().

أما في المدرسة الشيعية، التي يستند قيام الدولة بعد الرسول (ص) فيها إلى نظرية الإمامة كما أسلفنا، فقد وقعت في حرج تفسير العلاقة بين اتباعها والدولة في حالة غياب الإمام، وإذ استندت تقليدياً وفيما يخص الشأن الديني إلى تطوير فكرة تقليد الفقيه الذي هو نائب الإمام بالاستناد إلى احاديث عن أئمة أهل البيت منها الحديث المروي عن الامام الثاني عشر عند الشيعة الامامية الذي ينص على ((وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله تعالى))().

وإذ حل التقليد مشكلة المرجعية الدينية فإنه لم يحل مشكلة الدولة وتفسير قيامها، لهذا دأب الشيعة على وصف السلطات التي تقوم في زمن غيبة الإمام المعصوم بأنها (سلطة زمنية) حتى وإن كانت سلطات شيعية().

وحتى في الحالات التي وجدت فيها دول دان حكامها بحد أدنى من التشيع، ووافق الحاكم رجال دين كبار، مثل ما حدث في الدولة الصفوية على سبيل المثال، فإن رجال الدين هؤلاء لم يسلموا من النقد على موقفهم، واعتبروا لدى البعض وعّاظ سلاطين().

وفي الحقيقة، فإنه من غير الملائم في هذا المحل التطرق إلى التطورات التاريخية التي مرت بها مدرسة الشيعة الاثني عشرية في الرؤية تجاه الفقيه والسياسة والدولة الزمنية، ولكن ما يعنينا حقا هو ما حدث بداية القرن العشرين وانطلاق حركة المشروطة في إيران حيث بدأت الافكار الحديثة لشكل العلاقة بين الدين والدولة والشعب والحاكم تأخذ صدى واسعا في العراق خصوصا على خلفية ما يحدث في إيران().

فالصراع الفكري الحقيقي حول المشروطة كان يدور في النجف بين زعيمين، اتجاه يتبنى المشروطة (أي الدستور) يقوده الشيخ محمد كاظم الخراساني، واتجاه المستبدة بقيادة السيد محمد كاظم اليزدي، وقد تبلور اتجاه المشروطة برسالة الشيخ محمد حسين النائيني* (تنبيه الأمة وتنزيه الملة)، حيث يفترض د. عبد الجبار الرفاعي أن التفكير في الدولة في مدرسة النجف الدينية ((منذ مطلع القرن العشرين حتى تمام النصف الأول من هذا القرن كان خارج المدونة الفقهية، هذه هي المرحلة الأولى، وتبدأ المرحلة الثانية منذ مطلع خمسينات العقد السادس من القرن العشرين، فقد توغل التفكير في الدولة داخل إطار المدونة الفقهية))().

ولكن يختلف البعض مع وجهة النظر هذه بالذهاب إلى ان كتاب النائيني لم يحدث الأثر المطلوب في البنية الفكرية السياسية الشيعية، خصوصا ان زعيم المستبدة، محمد كاظم اليزدي اصدر كتابه (العروة الوثقى) الذي اوقف فيه حركة الاصلاح الفكري عبر تأطير ما هو مقدس عبر القران والسنة والاجماع بما يجعله فوق المحاولات الاصلاحية().

كما ان من الباحثين من يرى بأن المدرسة الاسلامية الحديثة في العراق وإن كانت مؤمنة ومطالبة بدولة دستورية تقوم على الانتخابات الحرة والحياة البرلمانية، إلا ان هذه الحركة لم يقدر لها ان تنمو وتتكامل().

ويُلاحَظ أيضا التباين بين مفكري هذه المدرسة على حد سواء مع المدرسة الأولى، بل حتى في المواقف للمفكر الواحد نفسه، ففي الوقت الذي كتب فيه الشيخ محمد مهدي شمس الدين كتابه (نظام الحكم والإدارة في الاسلام) سنة 1954 ليدلل فيه على ان الاسلام يمتلك نظاماً واضحاً ومحددا للحكم، ليرفض فيه الأسلوب الديمقراطي في اختيار الحاكم الذي عده غير مشروعا، نجده وبعد ثلاث عقود يعود للكتابة حول الديمقراطية لتصبح ((… هي الحل الوحيد للمجتمعات الاسلامية، ليتناغم مع النائيني في تنبيه الأمة وتنزيه الملة في البحث عن مشروعية شعبية دستورية ودولة غير منبثقة من الفقه…))().

وكتب السيد محمد باقر الصدر* عام 1958 تصورات أولية اطلق عليها (الأسس) وهي تسع مرتكزات صاغ عبرها تصوره للدولة الاسلامية، وقدم فيها تعريفه للاسلام، ومفهوم الدولة واصنافها، وشرح شكل النظام الاسلامي المطلوب من بينها().

وكتب الشيخ محمد الخالصي* عن الحكومة في الاسلام، محاولاً ((صياغة تكييف فقهي لنمط حكومة تكون الاولوية فيها للفقيه))().

وإذ وضع الخالصي الاولوية للفقيه في شؤون الدولة في رؤيته لها، إلا ان التطور الابرز في مسألة دور الفقيه في الحكم كان ما قدمه روح الله الخميني حول نظرية ولاية الفقيه، التي تعد بوصفها عقيدة دينية سياسية الشكل النهائي لما تجلت عنه الصيرورة التاريخية السياسية لتسيّس الفقه الشيعي() ــ بتعبير فؤاد ابراهيم ــ والتي طورها الخميني بالاستناد إلى بعض الميراث الفقهي الشيعي الذي تناول دور الفقيه في عصر غيبة الامام، مثل فتوى الشيخ جعفر الجناجي* الذي ذهب إلى ان الفقيه الجامع للشرائط يقوم حقيقة مقام الإمام وليس في الشرعيات وحسب، بل ان صلاحياته تمتد إلى إدارة البلاد والعباد، والمال العام، وهو ((يتحدث هنا عن الفقيه باعتبار الوالي بالأصل وان السلطان تالٍ له ومستمد شرعيته من إذنه))().

وتطورت نظرية الخميني وأخذت صداها خصوصا بعد نجاح الثورة الإيرانية، وهي لا تزال مؤثرة على فكر الكثير من الأحزاب السياسية في العراق().

ولكن باحثا آخر في هذه المدرسة يرى أن الاسلام لم يقدم نمطاً للدولة، وأن النصوص الدينية تحدثت عن الدولة كضرورة، ولم تتطرق إلى تفاصيل قيامها وطبيعة شكلها، عدا أنها ضرورة لأنها لازمة للانتظام والنظام العام، ((الأمن والفيء، أي الانسان والعمران، بما يقتضي ذلك من إطلاق حرية التملك المضبوطة بالشريعة، حتى لا تتفاقم الفوارق الطبقية، ويستولي الجور على الاغلبية الساحقة من الناس فتعم الفوضى))()، وهو ينتهي إلى أن شكل الدولة وطريقة تشكلها ليسا شأن الدين، سواء كان الاسلام أم غيره من الاديان().

وهي الفكرة التي سبق للشيخ علي عبد الرازق ان طرحها في كتابه الاسلام وأصول الحكم الذي طبع أول مرة عام (1925)، حيث رأى ان الخلافة ليست من أصول الدين وهي مسألة دنيوية سياسية اكثر منها دينية، وان القرآن والسنة لم يوردا ما يبين كيفية تنصيب الخليفة أو تعيينه().

ومن هنا نصل إلى محاولة فهم أبرز قوة دينية في النجف تؤثر اليوم بشكل فاعل على النظام السياسي في العراق، وهو المرجع الاعلى السيد علي السيستاني، حيث يذكر د. عبد الجبار الرفاعي أنه ــ السيستاني ــ يجد ان النظام السياسي في العراق يجب أن يقوم على ((مبدأ العدالة والمساواة بين أبناء البلد في الحقوق والواجبات، و حيث أن أغلبية الشعب العراقي من المسلمين فمن المؤكد انهم سيختارون نظاماً يحترم ثوابت الشريعة الاسلامية مع حماية حقوق الاقليات الدينية)) وإذ أكد أكثر من مرة على ضرورة الانتخابات في هذا السبيل، فإنه ــ وكما يذكر د. الرفاعي ــ قد انتهى إلى أن مشروعية السلطة تستند إلى الشعب عبر الممارسة الانتخابية، وما ينتج عن صناديق الاقتراع، أي ان المشروعية شعبية وانه لا يفكر بحكومة دينية، وهو ما أكده حينما قرر أنه ((لا يصح أن يزج برجال الدين في الجوانب الإدارية والتنفيذية وأن يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد والإرشاد والإشراف على اللجان التي تشكل لإدارة الأمور الدينية وتوفير الأمن والخدمات العامة للأهالي))().

وعلى هذا الأساس فإن المؤسسة الدينية في النجف وجدت نفسها بعد 2003 منخرطة في التأثير المباشر في عملية بناء الدولة، سواء عبر دعوتها للانتخابات وحرصها عليها، أو عبر الإشراف على اختيار اعضاء قائمة تدخل الانتخابات().

ويذهب د. متعب مناف إلى أن السيستاني لا يقبل بولاية الفقيه، تفادياً لمشاكل الدولة الدينية، كما انه في هذه الحال وبالطريقة التي مارس نفوذه صار صانع الملوك أو الرؤساء، يصنعهم ولا يصنعونه ــ بتعبير د. متعب مناف ــ().

اما الآن فسوف نتطرق إلى الميراث التاريخي لدور المؤسسة الدينية في العراق الحديث.

ثانيا: المؤسسة الدينية والدولة العراقية الحديثة.

لقد لعبت المؤسسة الدينية ورجالها دوراً مهماً في هذا الشأن منذ الإرهاصات الاولى لقيام الدولة العراقية الحديثة.

فمع دخول القوات البريطانية الغازية العراق في بداية الحرب الحرب العالمية الأولى عام (1914) ثم احتلالها لبغداد عام (1917) هبت المؤسسة الدينية لاستنهاض العشائر العراقية لقتال البريطانيين دفاعاً عن الدولة العثمانية رغم مساوئها، لكونها تمثل دولة المسلمين، بل اشترك المجتهدين الكبار من رجال الدين بانفسهم في القتال ضد البريطانيين، مثل السيد محمد سعيد الحبوبي().

ويُلاحظ ان البريطانيين فهموا منذ البداية دور رجال الدين في العراق، فقد بادروا في مسألة الاستفتاء على شكل الحكم في العراق إلى تكليف قاضيي المذهبين الإسلاميين في بغداد بأن يبلغ كل منهما طائفته بأمر الاستفتاء وأن ينتدبوا ممثلين عنهم للاشتراك في اجتماع تعقده السلطات حول الموضوع وحشد الرأي لوجهة نظر بريطانيا في الموضوع().

وإذ يُذكر ان البعض من رجال الدين سارعوا إلى تأييد وجهة النظر البريطانية وطلب الانتداب دون إقامة حكم وطني في البلاد، إلا انهم جوبهوا بمعارضة شديدة من رجال دين آخرين().

كما وقد كتب الحاكم البريطاني العام (3 محرم 1339/1920) إلى احد كبار رجال الدين يدعو أهالي الفرات الاوسط ــ عبره ــ إلى عدم الاشتراك في ثورة العشرين وأجابه الشيخ بجواب فيه الكثير من التهديد والوعيد().

وقد لعبت المؤسسة الدينية ورجالها دوراً في إنشاء الدولة العراقية الحديثة، فقد وقف رجالها ضد مشروع البريطانيين بإدامة الاحتلال دون إقامة حكم وطني، واحتدم الجدل في النجف، بوصفها مركزا دينيا مهما، بين البريطانيين وشيوخ العشائر والوجهاء ــ الذين يقف خلفهم رجال الدين ــ وإصرارهم على إقامة حكم وطني عراقي يقوم على رأسه أحد أنجال الشريف الحسين بن علي()، مما أدى إلى اندلاع شرارة ثورة العشرين().

وعلى هذا الاساس، وسعيا منهم لإطفاء التمرد، شكل البريطانيون وبإدارة سير بيرسي كوكس حكومة مؤقتة وضع على رأسها رجل دين بارز شغل مناصب دينية مهمة في العصر العثماني هو السيد عبد الرحمن الكيلاني النقيب()، حيث يذكر حنا بطاطو ان النقيب وظف نفوذه بقوة إلى جانب البريطانيين().

وبعد أن قام الحكم الملكي، وتولى الملك فيصل الاول حكم العراق، استمر دور المؤسسة الدينية في التأثير على الشؤون السياسية وأمور الدولة.

فأول وزارة شكلت في عهد الملك فيصل الاول، ورأسها عبد الرحمن النقيب أيضا بضغط من المندوب السامي البريطاني، فإن الملك فيصل أصر على أن يكون الشيخ عبد الكريم الجزائري* وزيرا للمعارف فيها، رغم ان الملك كان يعرف انه سيرفض، ولكنه كان يريد تكريم دور رجال الدين في النجف ودعمهم لترشيحه ملكا().

وقد بدا دورهم واضحا في دعم الملك ضد الانتداب، وفرض معاهدة مع بريطانيا تتضمن وضع العراق تحت الانتداب البريطاني، وهو ما أشرنا له سابقا، وقام رجال الدين بحشد فئات  الشعب المختلفة بطوائفها وأعراقها في سبيل دعم الملك تجاه المعاهدة، التي قطع الملك المفاوضات بشأنها، ثم بدأت اعتداءات الاخوان بقيادة ابن سعود على العراق في موقف فُسر بأنه للضغط على الملك فأخذ رجال الدين زمام المبادرة بالدعوة إلى عقد مؤتمر يضم جميع العراقيين لدعم الملك في تصديه للاعتداءات الخارجية، وسعيه لاستقلال العراق وهو ما تحقق في مؤتمر كربلاء في (9/4/1922)().

وبعد أن استقر رأي الملك على إجراء الانتخابات رأت المؤسسة الدينية أن اجرائها ليس مناسبا في ذلك الوقت، خصوصاً أن المجلس التأسيسي سيكون من شأنه النظر في اجراء معاهدة مع بريطانيا والعراق في وضع ضعيف لا يسمح له بأن يكون طرفاً قوياً في الانتخابات فصدرت الفتوى الدينية بتحريم الانتخابات، ولإصرار الملك عليها، وإصرار المؤسسة الدينية على تأجيلها، وهو ما أدى إلى نفي مجموعة بارزة من رجال الدين وشيوخ العشائر().

ويجدر الإشارة إلى ان الرئيس الثالث لمجلس الاعيان العراقي في العهد الملكي كان هو السيد محمد الصدر*، كما ان السيد هبة الدين الحسيني (الشهرستاني)* كان رئيسا لمحكمة الاستئناف في العراق()، وكلاهما من رجال الدين البارزين.

وبعد الانقلاب العسكري 1958 وقيام الحكم الجمهوري في العراق، استمر دور المؤسسة الدينية الفاعل في التأثير على الدولة والحياة السياسية، فقد اصدر السيد محسن الحكيم* فتواه المعروفة في حرمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، التي أثرت كثيرا على عمل الحزب، واستغلتها الحركات السياسية الاخرى في عملها ضد الحزب الشيوعي وضد عبد الكريم قاسم() ووقف رجال الدين بحزم تجاه قانون الاحوال الشخصية عام 1959 الذي ادى إلى القطيعة بين رجال الدين وبين عبد الكريم قاسم().

فضلا عن ذلك فقد تأسس (الحزب الاسلامي العراقي) ــ فرع الاخوان المسلمين في العراق ــ برعاية السيد محسن الحكيم().

وبعد الإطاحة بعبد الكريم قاسم، وحتى العام 2003، استمرت المؤسسة الدينية بلعب أدوار مختلفة ومتفاوتة التأثير، فقد تأسست احزاب إسلامية برعاية رجال دين، وبدأت تتبلور نظريات  في الحكم الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، والفلسفة والمجتمع عبر المنظور الديني()، مما أدى في أحيان كثيرة إلى أن تصطدم الدولة بالمؤسسة الدينية، وان يتعامل النظام السياسي مع رجال الدين بقسوة، بالغة()، دون أن نغفل دور رجال الدين في الأحداث التي أعقبت غزو الكويت عام 1991 وأثر ذلك على رجال الدين، والمجازر التي حصلت بحقهم، مرورا بتحرك المرجع الديني السيد محمد الصدر في تسعينات القرن الماضي، ثم اغتياله().

خاتمة

 ان هذه الدراسة سعت إلى ان تمنح باقتضاب شديد صورة عامة عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية في العراق، ضمن تأثيراتها الإسلامية العامة من جانب، والخصوصيات العراقية من جانب آخر، على أمل ان تكون هذه السطور تمهيدا محفزا للتوسع في دراسة هذا الموضوع الذي صار حجر الزاوية في المشكلة العراقية.

وكلي أمل أن تكون قد نجحت في أداء الهدف الباعث على كتابتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى