عروض وترجمات

انقلابٌ في تونس: هل ضاعت الديمقراطية؟ منصف المرزوقي

نص مترجم عن موضوع بنفس العنوان نشر في مجلة الديمقراطية، المجلد 33، العدد 1، يناير 2022

تم اختيار منصف المرزوقي من قبل المجلس التأسيسي التونسي في عام 2011 ليكون رئيسًا للبلاد، وهو المنصب الذي شغله حتى نهاية عام 2014.

في 25 يوليو 2021، بعد شهور من المصاعب الاقتصادية وصعوبات الصحة العامة بسبب فيروس كورونا، اندلعت احتجاجات كبيرة ضد الحكومة التونسية. في مساء اليوم نفسه، أعلن الرئيس قيس سعيد إقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي ووقف عمل البرلمان، وإلغاء الحصانة القانونية لأعضائه ولرئاسته وتحويلهم للنيابة العامة. ومن المفارقات أن سعيد أكد أنه كان يأخذ هذه الإجراءات باسم دستور 2014 الذي يحظر مثل هذا التركيز غير المتوازن للسلطات.

بعد شهر، أعلن سعيد تمديد فترة هذه التدابير الاستثنائية إلى أجل غير مسمى. في 22 سبتمبر، أصدر مرسوماً رئاسيًا يؤكد تعليق عضوية أعضاء مجلس النواب وحصاناتهم، منوهاً بأن التشريعات سوف تصدر في شكل مراسيم بقوانين عن رئيس الجمهورية، مع تقديم قائمة طويلة من السلطات التي آلت إليه تجعل أي طامح في أن يصبح ديكتاتوراً ينظر إليه بحسدٍ. كل هذه المراسيم تتعارض مع روح ونص دستور 2014، الذي أُلغي الآن بحكم الواقع. هذا المرسوم الرئاسي يمثل نهاية الانتقال الديمقراطي الذي بدأته تونس منذ عشر سنوات بعد الإطاحة بالديكتاتور زين العابدين بن علي.

حل البرلمان بحكم الواقع، والتخلي عن الدستور، واعتقالات المعارضين السياسيين والصحفيين تُعد مؤشرات واضحة على أن تونس لم تعد ديمقراطية، وأنها عادت إلى الحياة في ظل قواعد اللعبة القديمة للديكتاتوريين العرب في الماضي والحاضر.

لماذا تبدو عملية الدمقرطة في العالم العربي شاقة على هذا النحو؟ هل هذه العملية محكومٌ عليها بالفشل، حتى في البلد الذي يبدو أنه يقدم أفضل الظروف لنجاحها؟ استشهد محللون بأسباب متعددة تتراوح من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية إلى ما يسمى عدم التوافق الثقافي، من إرث الاستعمار إلى تدخل القوى الأجنبية دعماً للنظم الاستبدادية.

لا يوجد تفسير سببي واحد لهذا الفشل، فمثل تلك السياقات معقدة وتختلف من بلد إلى آخر. ولكن لا يسعني سوى تقديم تفسير يخص البلد الذي لاحظت عملية التحول الديمقراطي فيه وشاركت فيها على مدار أكثر من أربعين عاماً. بالاعتماد على خبرتي في بلدي كرئيس للرابطة التونسية لحقوق الإنسان ( (1989-1994)، وزعيم حزب معارض ديمقراطي (2001-11)، ورئيس الجمهورية(2011-14) ، واليوم مرة أخرى كمعارض لديكتاتورية وليدة، أرى ثلاثة أسباب رئيسية لعودة الديكتاتورية في تونس. وهي: 1) عجز النظام السياسي الذي تأسس عام 2011 عن ربط الحقوق السياسية بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية؛ 2) صعود الشعبوية؛ 3) الدور السلبي الذي تلعبه المشاعر تجاه الإسلام السياسي.

الحقوق السياسية والاقتصادية: الحلقة المفقودة

في الأيام الأولى لانتفاضة 2011، اتحدت الطبقة الوسطى التونسية والمجتمعات الأكثر فقراً في المناطق النائية لإسقاط نظام بن علي. حينذاك، لم يعد بإمكان الطبقة الوسطى أن تتسامح مع الحرمان من الحريات الفردية والجماعية التي يتمتع بها نظراؤها على الجانب الآخر من البحر المتوسط بالكامل. أما أولئك الذين ينتمون إلى الطبقات الأفقر، فلم يعد بمقدورهم تحمل المزيد من الحرمان من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، على وجه الخصوص في ظل الفساد الفاضح للنخب الحاكمة.

تمت تلبية مطالب الطبقة الوسطى بسرعة. بعد 2011، سرعان ما بدأ التونسيون يتمتعون بمستوى غير مسبوق من الحرية السياسية. حريات التعبير وتكوين الجمعيات، بما في ذلك حرية تنظيم الاحتجاجات العامة، على الفور أصبح الوضع الطبيعي الجديد. بعد أشهر قليلة من الثورة، انتخب التونسيون بحرية جمعية تأسيسية مكلفة بمهمة تاريخية هي وضع دستور لدولة ديمقراطية جديدة. بعد ثلاث سنوات، في 27 يناير 2014، تبنت تونس أول دستور ديمقراطي لها على أمل التخلص من الديكتاتورية إلى الأبد.

لسوء الحظ، فإن الفقراء والعاطلين عن العمل والمنسيين في المناطق الداخلية من البلاد كانت لديهم أسباب أقل للترحيب بإنشاء الدولة الديمقراطية. بالطبع، لقد استفادوا أيضًا من مناخ الحرية، ولكن توقعهم لحياة أفضل اقتصادياً ذهب أدراج الرياح. الأسوأ، بالنسبة للبعض من بين الفئات الأكثر فقراً، أن الثورة جعلت الوضع غير المستقر قد أصبح أكثر كآبة بالفعل.

كان من المستحيل الفوز بسباق تحقيق التوقعات الاقتصادية بسرعة مثل التوقعات السياسية بالنظر إلى عمق الأزمات المالية والاقتصادية التي مرت بها تونس عام 2011. عقودٌ من المحسوبية والفساد من قبل الأسر الحاكمة وحاشيتها الذين غادروا البلاد تئن تحت وطأة اقتصاد متداعٍ. بينما كان الفساد هو السبب الرئيسي لمحنة تونس الاقتصادية، لاحظ القليل من المحللين أن الحاجة الماسة إلى سياسة لمكافحة الفساد نفذتها الحكومة (التي شاركت فيها) جعلت في الواقع حالة أفراد المجتمع الأكثر فقرًا أشد سوءاً. على سبيل المثال، عندما استعادت الدولة أكثر من ثلاثمائة من الشركات والمؤسسات الزراعية الفاسدة، ألقى هذا بالآلاف من الناس عاطلين عن العمل بين عشية وضحاها. من أجل تخفيف الضربة الاقتصادية من “تجفيف المستنقع”، كانت الحكومة بحاجة إلى تدفق هائل للمساعدات أو النقود. لم يكن لدى تونس إمكانية الوصول إلى هذه الموارد. وبالتالي، أدت مكافحة الفساد التي كان النظام الاقتصادي يحتاج إليها بشدة إلى مزيد من تدهور الوضع الاقتصادي الفوري لأولئك الذين كانوا بالفعل أكثر ثأثراً بالمحسوبية التي كانت سائدة في ظل النظام السابق.

كنت ملتزمًا بتحسين الوضع الاقتصادي للغالبية العظمى من مواطنينا، لأن هذا كان هدفًا رئيسيًا للثورة. عملت مع حكومة “الترويكا” المكونة من ثلاثة أحزاب كانت في السلطة خلال فترة رئاستي، بدأت بإعداد برامج لمكافحة الفقر. في عام 2012، أرسلت مستشارين إلى البرازيل لدراسة سياسات الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وهي غنية بالدروس المفيدة لنا. ولكن، مع ذلك، لم يكن الوقت في صالحنا. إن مثل هذه البرامج المناهضة للفقر تظهر نتائجها فقط على المدى الطويل. بالإضافة إلى إحباط وخيبة أمل السكان تزداد كل يوم، بما يتناسب مع الفوضى الاقتصادية.

استفادت قوى الثورة المضادة من هذه الموجة من السخط من خلال تقديم وعود ضخمة خلال الاستحقاقين الانتخابيين التشريعي والرئاسي لعام 2014. انتخاب خليفتي، الباجي قائد السبسي، في نهاية ديسمبر 2014 لم يُحسن الوضع الاقتصادي تماماً، بل حدث العكس. كان القانون الوحيد الذي أقره في البرلمان عام 2017 هو قانون المصالحة الوطنية. كان هذا القانون في الواقع يقدم عفواً عن الفاسدين من رجال الأعمال. ساهم هذا القانون في تعزيز الفساد وتفاقم عدم الاستقرار السياسي. على الرغم من وضع البلاد أول دستور ديمقراطي، وتعزيز المؤسسات السياسية مثل لجنة الانتخابات المستقلة، فقد خلقت التحديات الاقتصادية سياقًا مثاليًا لظهور الشعبوية.

صعود الشعبوية

انتُخب الرئيس سعيد لرئاسة الجمهورية عام 2019 بأغلبية كبيرة من الأصوات. مثل معظم القادة الشعبويين (ألبرتو فوجيموري في بيرو عام 1990، رودريغو دوتيرتي في الفلبين عام 2016، جاير بولسونارو في البرازيل عام 2018، فولوديمير زيلينسكي في أوكرانيا عام 2019)، انتُخب سعيد بثلاث صفات خيالية: رأى فيه الناخبون شخصية جديدة ونظيفة ومباشرة. رأوه جديداً لأنه لا ينتمي إلى الطبقة السياسية التقليدية التي فقدت صدقيتها بسبب إخفاقاتها. لقد اعتبروه نظيفًا بسبب افتقاره إلى الخبرة السياسية. ورأوه صريحًا لأنه قال لهم ما أرادوا سماعه، أي أنهم كانوا ضحايا مجموعة من السياسيين الحمقى والمحتالين. كقائد جديد لهم، وعد الناخبين، أنه سوف يخلص البلاد من المحتالين. الانتهاء من عمله سيسمح للمواطنين بالاستمتاع بالعودة السريعة للفضيلة والازدهار والأمان.

كان شعور التونسيين بالإحباط من الطبقة السياسية المنقسمة على نفسها مفهوماً، بالنظر إلى ما بدا أنها أكثر اهتمامًا بعقد الصفقات الخلفية أكثر من انشغالها بوضع سياسة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية. سوء الإدارة الدراماتيكي للأزمة الصحية لفيروس كوفيد -19 لم يؤد إلا إلى تفاقم خيبة أمل الناس من النخبة السياسية. ومع ذلك فإن التدابير الاقتصادية والسياسية التي اتخذها الرئيس سعيد منذ انقلابه في يوليو 2021 لا تبشر بالخير بالنسبة للقدرة على حل مشاكل التونسيين بأعجوبة. موقفه العدواني تجاه أي متبرع أجنبي باسم الدفاع عن السيادة التونسية أدى إلى نفور المستثمرين والمانحين. في عام 2020، أعطت وكالة مودي تصنيف ائتماني تونس B-minus ، ولكن اعتبارًا من عام 2021 انخفض إلى C..

في غضون ذلك، فإن موقف سعيد الاستبدادي تجاه خصومه ينذر بالسوء. في مطلع سبتمبر، شجبت هيومن رايتس ووتش “سياساته القمعية”. بينما كان يتحدث في 20 سبتمبر 2021 من مدينة سيدي بوزيد، تلك المدينة الداخلية التي شهدت اندلاع الانتفاضة ضد بن علي، أصدر الرئيس دعوة غامضة الصياغة للعنف، تتحدث عن “خونة” وتطلب من المواطنين “تطهير البلاد”. في نوفمبر، ذكرت منظمة العفو الدولية أن تونس شهدت المزيد من المحاكمات أمام المحاكم العسكرية في الثلاثة أشهر السابقة أكثر مما شهدته على مدار العقد السابق.

استغلال الخوف من الإسلام السياسي

أخيرًا، ما يكشفه الوضع التونسي بوضوح كبير هو التأثير السام لعقبة فورية ودائمة: استغلال الكراهية للإسلاموية من قبل كارهي الديمقراطية. في داخل الحركة المؤيدة للديمقراطية في تونس منذ مطلع السبعينيات، تسببت قضية دور الإسلاموية واندماجها في حدوث شقاق كبير بين النشطاء الذين دعموا حقوق الإنسان وعارضوا الاستبداد. في ذلك الوقت، قلة قليلة من الناس، كنت من بينهم، اعتقدنا أننا كما يجب أن نرفض العنف والتطرف، يجب أن نشرك الإسلاميين المعتدلين في مجتمعنا في النضال ضد الاستبداد.

نهج التكامل والاعتدال هذا مثير للجدل بالفعل من قبل الانتفاضات العربية، تم الاستخفاف به أكثر حتى بعد صعود الإسلاميين إلى السلطة في تونس ومصر عام 2011. نجاح النهضة في تونس والإخوان في مصر في أول انتخابات تالية للانتفاضات عزز النزعة المناهضة للإسلاميين لدي جانب من الحركة الديمقراطية في كل من البلدين، قد يكون عددهم ليس كبيراً، ولكنهم مؤثرين سياسياً. فالدعم الشعبي الواسع لانقلاب المشير عبد الفتاح السيسي في القاهرة عام 2013 بين من يسمون الليبراليين والمثقفين والسياسيين اليساريين – ليس فقط في مصر ولكن أيضًا في تونس -يشير إلى أن النخب المحلية كانت أكثر خوفًا من الإسلام السياسي من الديكتاتورية.

ومع ذلك، لم تكن المؤسسة المعادية للإسلاميين هي التي تحركت فقط ضد المؤسسات الديمقراطية وخرجت إلى الشوارع في 25 يوليو 2021 في تونس. المتظاهرون الذين ثاروا على ما أصبح واحدًا من أكثر الرموز البغيضة لعملية الدمقرطة النضالية، البرلمان، كانوا بشكل رئيسي من الشباب من الأحياء المهمشة تاريخيًا. إن غضبهم من الإسلاميين ليس أيديولوجياً. إنهم يلومون الإسلاميين لخيانة وعدهم بتقديم حوكمة نظيفة وفعالة، لإعطاء الأولوية لسياسة الاتفاقات الصغيرة والصفقات الخلفية مع أحزاب من النظام السابق، ولسوء إدارتهم بشكل كارثي للأزمات الصحية والاقتصادية المميتة.

في محاولة يائسة لقبول المناهضين للإسلاميين ونخب النظام السابق بها، وافقت قيادة النهضة على جميع أنواع الصفقات مع سياسيي النظام السابق ورجال الأعمال. لم تفشل استراتيجية الفصام هذه في كسب قادة النهضة احترام الأعداء الأيديولوجيين من اليسار التونسي أو من النظام السابق فحسب، لكنها أبعدت الحركة عن قوى الثورة والمحرومين الشباب الذين وجدوا في البداية وعدها بالنظافة السياسة جذاباً للغاية. وهنا يكمن التناقض الذي يميز الإسلاميين في تونس.

يمثل السيناريو التونسي الجمود الديمقراطي الذي تواجهه معظم الدول العربية حاليًا. كثير من العرب يخلطون بين كراهية الإسلام السياسي وكراهية الديمقراطية نفسها. سياسة الإسلاميين في مساومة القوى الثورية صاحبة المبادئ بشكل منفرد ولد شعوراً بالشك والاستياء لدى الشباب المهمشين بشأن الديمقراطية النيابية والسياسة الحزبية. لقد ساعد الاسلاميون عن غير قصد في قتل الديموقراطية بمشاركتهم المفلسة أخلاقياً فيها.

لم يساعد الإسلام السياسي في قتل الديمقراطية فحسب، بل إنه ترك جروحاً غائرة لديه هو الآخر. عندما تؤكد نفسها، كجماعات اجتماعية واقتصادية قوية يتم الحشد ضدها واستخدامها فزّاعة لتبرير إعادة الأنظمة الفاسدة والاستبدادية. على النقيض من ذلك، عندما يقدم الإسلام السياسي تنازلات لأحزاب النظام السابق، فإنه يفقد ما تبقى من مصداقيته لدى قاعدته الشعبية.

لأكثر من عقد من الزمان، اتسمت التجربة الديمقراطية في جميع أنحاء العالم العربي بالاستقطاب الحاد لتوتر سام بين سياسات الإسلاميين للمساومة الفاشلة، وسياسات الاستبداد المعادية للعمل بالسياسة، والقائمة على القمع والخوف. سيتعين على الأجيال الجديدة من النشطاء والمثقفين عبر العالم العربي تجاوز هذا الخيار الزائف، وتخيل صيغ جديدة للمشاركة السياسية الشاملة والديمقراطية إذا كانوا يريدون تحقيق حلم الكرامة والمساءلة والعدالة الاجتماعية الذي حشد الشعب العربي قبل عشر سنوات.

استخدام وسائل الديمقراطية ضدها

بالنظر إلى الماضي على مدى السنوات العشر الماضية، أشعر بالحيرة والرعب من السهولة التي استولى بها أعداء الديمقراطية على وسائل الديموقراطية من أجل معارضة وإفساد وتدمير الديموقراطية.

لقد سلَّح رجال الأعمال والسياسيون في النظام السابق حرية الصحافة ضد الثورة والديمقراطية. ولوث الإعلام الفاسد من النظام القديم النشطاء وشوه سمعتهم وهاجم قادة المرحلة الانتقالية. سمحت حرية تكوين الأحزاب والجمعيات بتأسيس أحزاب معادية للديمقراطية داخل تونس وتقديم دعم غير مشروط للانقلاب في مصر ولديكتاتورية بشار الأسد في سوريا. انقلبت الانتخابات الحرة إلى مناسبات لتضخيم دعاية الكراهية والمعلومات المضللة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

لهذا السبب أنا مقتنع أنه في أعقاب أية ثورة ديمقراطية، فإنه من الخطورة بمكان التنازل للنظام القديم. نعم، يجب أن نُظهر الإنسانية ونسعى للمصالحة الوطنية على وجه الخصوص من خلال إقامة العدالة الانتقالية. ومع ذلك، كما فعلت دائمًا أصر، يجب ألا نساوم مع نظام قام على أساس الفساد والاحتيال والتلاعب. يجب على الديمقراطية القضاء عليه مثلما فعل نيلسون مانديلا مع نظام الفصل العنصري، ولم يتصالح معه كما فعلت النهضة في تونس.

فيما يتعلق بالإسلام السياسي، ما زلت متمسكًا بما كنت أؤمن به منذ السبعينيات، فلا يمكننا استئناف تجربة الدمقرطة والاستمرار فيها في تونس وبلدان عربية أخرى إذا استثنينا كلياً شريحة من السكان، وأنكرنا على الأحزاب الإسلامية وأنصارهم الحق في المشاركة السياسية في إطار حكم القانون. هذا صحيحٌ حتى لو لم يسع المرء إلا أن يعترف بانعدام الكفاءة لديهم، وكيف كانت سياساتهم ورؤيتهم السياسية معيبة أو مفقودة حين كانوا مسؤولين.

غالبًا ما يُنسى أنه خلال النصف الأول من القرن الماضي، مرت كلٌ من مصر والعراق وسوريا بفترات قصيرة من الديمقراطية البرلمانية. خضعوا جميعًا لانقلابات عسكرية كانت أيديولوجيتها مستوحاة إلى حد كبير من النموذج السوفيتي، أي النظام الاستبدادي والاقتصاد المخطط الذي كان من المفترض أن يلبي احتياجات العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.

اليوم، فإن الآمال الديمقراطية في الدول العربية وربما في أماكن أخرى من العالم لا يهددها النموذج السوفييتي بل النموذج الصيني: التنمية الاقتصادية المقترنة بالديكتاتورية السياسية. هذا النموذج موجود بالفعل على نطاق واسع في العالم العربي، وخاصة في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. يا لها من مفارقة أن نرى هذه الدول، التي تعتبر أفضل عملاء للولايات المتحدة في المنطقة، تكافح لفرض النموذج الصيني في تونس.

إذا أردنا الهروب من هذا النموذج، والذي يمثل اليوم التهديد الرئيسي (على مستوى الأيديولوجية والسياسية) للديمقراطية في العالم، يجب علينا ربط الحرية بالتنمية والعدالة الاجتماعية. بخلاف ذلك، لن تصبح الديمقراطية سوى أقواس بين الديكتاتوريات.

هل خسرنا معركتنا من أجل الديمقراطية؟ الجواب نعم؛ لكنها هزيمة مؤقتة. فالديكتاتورية، سواءً من النوع العسكري في مصر أو الشعبوي في تونس، ليست لديها سوى فرصة ضئيلة لتحسين الوضع الاقتصادي للسكان. بالإضافة إلى ذلك، فإن إنشاء نظام ديمقراطي، مهما كان متعثرًا وغير كامل، قد منح شيئًا لا يُمكن نسيانه؛ طعم الحرية للأجيال الشابة ولأقسام مؤثرة في المجتمع مثل الصحفيين والمحامين ونشطاء المنظمات غير الحكومية، وما إلى ذلك. دعونا ندعمهم بكل جهودنا. فإن حياة مواطنينا تعتمد على ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى