إقتصاد

جائحة كورونا تضع أسواق العمل تحت الاختبار

ريم سليم

أحدث وباء كورونا هزة عنيفة في سوق العمل وديناميكته. فقد خَلَق تساؤلات واستوجب إعادة النظر في هيكل سوق العمل، ونُظمه الإدارية، وأنماط العمل، وموقع الإبداع من الإنتاجية، وكيفية قياس أهمية الوظائف، ومعايير بيئة العمل المحفزة على الإنتاج.

غير أن الأهم هو السؤال الذي طرحه فيروس كورونا عن أهمية التوازن ما بين إنتاجية العمل والسلامة النفسية والاجتماعية للعاملين، وما هي الآثار المباشرة وغير المباشرة لقسوة سوق العمل على التنمية المستدامة في البلدان.

كيف تغير سوق العمل

تركت جائحة كورونا بصمات جلية وآثار مترامية الإتساع على سوق العمل في كافة البلدان، ويمكن رصد أبرز التغيرات في الآتي:

  1. فقدان الوظائف:

 أدت جائحة كورونا إلى توقف للأنشطة الإنتاجية داخل منشأت الأعمال (المصانع والشركات والورش والمكاتب… إلخ)، ومن ثَمَّ تعثرت التدفقات النقدية للشركات. وهو ما اعتبرته منشأت الأعمال دافع للتخلي عن الموظفين.

 ويعد هذا هو التأثير الأعمق للجائحة، حيث تقدر منظمة العمل الدولية أن العالم سيفقد 195 مليون وظيفة بدوام كامل بسبب الجائحة. بينما قدرت جامعة الدول العربية أن عدد الوظائف التي تسببت جائحة كورونا في فقدانها في الول العربية بلغت 7.1 مليون وظيفة.

  1. تغير هيكل الأجور وانخفاض ساعات العمل:

 تنوع أثر جائحة كورونا على أجور العمل طبقاً لكل من: أهمية الوظيفة في حد ذاتها (هل هي وظيفة حيوية أم وظيفة مُقنَّعة يمكن الاستغناء عنها؟)، والملاءة المالية للشركات (والتي تتضمن قدرة الشركة المالية على تغطية الأجور).

وقد تنوع هذا الأثر ما بين فقدان الأقل، وتخفيض الأجر، وزيادة الأجر. ففي مصر أفاد تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بأن 25% من الأفراد العاملين لم تتأثر دخولهم بالفيروس، بينما انخفض دخل 73.5% منهم، وارتفع دخل 1% تقريباً.

أدت الجائحة وبشكل مباشر إلى تخفيض ساعات العمل على نطاق واسع. وفي هذا الصدد أشار منظمة العمل الدولية إلى أن عدد ساعات العمل على مستوى العالم قد انخفض بنسبة تقارب 14% خلال الربع الثاني من عام 2020، ومن المتوقع أن تنخفض بنسبة تقارب 5% خلال الربع الأخير.

  1. تغير مستوى الطلب على الوظائف:

أدت جائحة كورونا إلى تغيير خارطة الطلب في العالم. فقد تغير طلب الأفراد على مختلف السلع والخدمات، ماعدا السلع الضرورية كالأغذية والأدوية ومستحضرات النظافة والمُعقِّمات. وهو ما استتبع تغيراً مشابه في الطلب على الوظائف. فارتفع الطلب على عدد من الوظائف في قطاعات معينة، بينما انخفض مستوى الطلب على عدد آخر من الوظائف. مما أدى في المحصلة إلى زيادة كبيرة في المعروض من الأيدي العاملة.

فعلى سبيل المثال، ارتفع الطلب على وظائف الشحن والتوصيل والتجارة، فقد طلبت شركة أمازون100 ألف عامل جديد في بداية الأزمة في شهر مارس المنصرم (2020)، بينما توقف تماماً الطلب على الوظائف في خدمات السياحة والترفيه والطيران.

  1. تغير نظم الإدارة الفاعلة:

كشفت الجائحة عن أهمية تطوير نظم التواصل بين المستويات الإدارية في الشركات لتكون أكثر سلاسة وقُرباً. حيث من المكان بأهمية أن يسهل التوصل بين مستوى الإدارة العليا وبين أصغر موظف، ومشاركة المعلومات، وأيضاً إشراكه في صنع القرارات المتعلقة بتنظيم العمل.

  1. تعقيدات نظم العمل:

 كشفت الجائحة عن وجود تعقيدات في بيئة العمل غير مجدية وتؤثر على السلامة النفسية والاجتماعية للعاملين، ومنها الرفض غير المبرر للعمل عن بعد، وطول ساعات العمل، وهدر الوقت في الاجتماعات الإدارية. فقد نجحت آلاف الشركات حول العالم في ضمان استمرارية إنتاجيتها من خلال اعتماد نظم العمل عن بعد، وتخفيض ساعات الاجتماعات.

وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في المعايير الحاكمة لتخطيط وتنسيق العمل داخل المؤسسات، ومراجعة الأدوار الإدارية، واللوائح الحاكمة للعمل داخل كل الشركة، ومدى مواءمتها لطبيعة النشاط الإنتاجي للشركة.

اختبار الفاعلين في سوق العمل

وضعت جائحة كورونا عدد من الفاعلين في تنظيم وتطوير سوق العمل في اختبارات كبيرة وحساسة، ويتمثل هؤلاء الفاعلين في: الدولة، واتحادات العمال، والنقابات المهنية، ونظم الحماية الاجتماعية. إذ اختبرت الجائحة كيفية تدخل هؤلاء الفاعلين لحماية حقوق العمال، وذلك من خلال إلزام الشركات بتخفيض طاقة العمل وحماية الأجور والتأكد من تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي.

وقد اختلفت نتائج هذه الاختبارات باختلاف الدول والأنظمة، وذلك وفقاً لاختلاف مساحة الحريات المدنية بالدول، ومدى قوة المشاركة المجتمعية، وتأثير الأفراد في صنع قرارات السياسة العامة.

فعلى المستوى الأعم؛ وضعت منظمة العمل الدولية ثلاث ركائز للدول في محاربتهم لتداعيات جائحة كورونا، وهي: حماية العمال في مكان العمل، وتحفيز الاقتصاد والطلب على العمالة، ودعم العمالة والدخل.

وبالنظر إلى دور الدولة، فيمكننا أن نلمس اختلاف قوي في الانحياز لحقوق العمل من عدمه. فعل ىسبيل المثال نجد أن الحكومة البريطانية قد قدّمت أول مخطط للاحتفاظ بالوظائف داخل المملكة. كما قامت حكومة الدنمارك –بالتنسيق مع النقابات المهنية– بتغطية جزء من رواتب الموظفين الذي تعرضوا للتسريح، وذلك بأن تقدم الحكومة 75 % من الراتب الشهري للموظف بدوام كامل، بينما تدفع الشركة 25 % المتبقية، كما تقدم ما يصل إلى 90% من رواتب العمال المؤقتين.

وفي الإمارات أقرَّت الحكومة منذ بداية الأزمة نظام العمل عن بعد، وحددت القطاعات والموظفين المسموح لهم بالاستثناء من هذا النظام والعمل من مقار عملهم، وذلك للحفاظ على معايير التباعد الاجتماعي في مواجهة الجائحة.

من جهة مقابلة نجد أن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية أصدرت قراراً يقضي بالسماح بخفض الرواتب في القطاع الخاص إلى 40% لمدة ستة أشهر مع إمكانية إنهاء العقود بعد ذلك، في ظل جائحة كورونا.

اختبرت الأزمة أيضاً مدى فاعلية النقابات المهنية واتحادات العمال. ففي حين اكتفت نقابات واتحادات عدة بالتنديد والشجب في بيانات رسمية، ولم تنجح في التفاوض مع الحكومة أو أصحاب الأعمال. نجد نماذج أخرى أكثر قوة في الوصول إلى استحقاقات العاملين خلال الأزمة، ومنهم اتحادات العمال في إسبانيا.

فقد اتفقت النقابات والحكومة في إسبانيا على حزمة من حقوق العمل الفردية تسمح بالعمل المرن حتى يتمكن العمال من رعاية الأطفال أو الآباء المُعالين. كما حصلت نقابة اللجان العمالية الإسبانية على صفقة قطاعية في محلات السوبر ماركت تُقلِّل من ساعات العمل، وتُزيِد من الموظفين بدوام جزئي، بالإضافة إلى حماية موظفي المتجر بالأقنعة والقفازات.

ونهايةً، لا يمكننا القول بأن كافة التداعيات الناجمة عن جائحة كورونا على سوق العمل تعد سلبية تماماً. بل إن كثير منها قد كشف التعقيدات المرتبطة بسوق العمل وعوامل الإضرار بالسلامة المهنية والنفسية للعاملين في عصر ما قبل الكورونا.

 كما أنها كشفت عن اختلالات واسعة يعاني منها سوق العمل بالأساس في تنظيم العلاقات بين الأطراف الفاعلين، وهم العمال وأصحاب الأعمال والنقابات والحكومة. بل إنها تكشف ما هو أبعد، من حيث إعادة النظر في معايير الإنتاجية والكفاءة على مستوى منشآت الأعمال، وفي متطلبات الرفاهة على مستوى المجتمعات، وفي متطلبات التنمية المستدامة والمساواة على مستوى الدول.

في المجمل، صار من المهم أن نُجيب بدقة عن هذا التساؤل في عصر ما بعد الكورونا: هل الضغوط الملازمة لسوق العمل تتناسب مع متطلبات التنمية المستدامة التي تستهدفها الدول، والتي تتضمن –وفقاً لتعريف الأمم المتحدة- أن يكون الفرد حراً في صنع قرارته بدون أي ضغوط اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو أمنية؟

اظهر المزيد

Reem Sleem

باحثة اقتصادية متخصصة في الاقتصاد الكلي والاقتصاد السياسي واقتصاديات التنمية، عملت بعدد من مراكز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومراكز الفكر، نُشرت لها مساهمات الدوربات والمواقع حاصلة على دبلومة دراسات جدوى من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ودبلومة دراسات اقتصادية من معهد البحوث العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى