سياسة

دور الشركات متعددة الجنسيات في مناطق الصراع

شيماء حسن علي*

    على الرغم من أن اندلاع الصراعات والحروب الأهلية والطائفية يقوض استقرار أمن المجتمعات ويحد من فرص الاستثمار في تلك المناطق، إلا أن الممارسة الواقعية أثبتت إمكانية بقاء فرص استثمارات الشركات العالمية متعددة الجنسيات خاصة في الدول التي تمتلك موارد أولية؛ وهو ما يثبت وجود علاقة ارتباطية بين نشوب الصراعات الداخلية المسلحة وامتلاك الدول لموارد أولية، ويوفر اندلاع  الصراعات الدينية والطائفية والعرقية فرصا اقتصادية وسياسية مغرية  لبعض الشركات العالمية. ومن ثم يأتي استمرار عمل  بعض الشركات العالمية متعددة الجنسيات في مناطق الصراع مفضلة بذلك تمويل أطراف الصراع  مقابل حماية منشآتها العاملة واستمرار تدفق المواد الخام لمصانعها.

   ويكشف واقع الشركات العالمية حقيقة الدور الاستعماري والذي تقوم به في مناطق الصراع وانتشار الجماعات المسلحة، ومن ثم تحاول هذه الورقة البحثية استعراض النماذج المختلفة لدور الشركات متعددة الجنسيات في مناطق الصراع وإلي أي وضع يمكن أن تتورط فيه تلك الشركات فقط لحماية مصالحها ودون مراعاة  حقوق الشعوب في تلك المناطق وسوف نستعرض نموذجين في منطقتين مختلفتين يوضحان السلوك الاستعماري الذي تتبعه الشركات العالمية لحماية استثماراتها وخاصة خلال الفترة التي انتشرت فيها الجماعات المسلحة أحدهما في جمهورية إفريقيا الوسطى والأخر في سوريا.

أولا: الجماعات المسلحة  … علامة مميزة للصراع في إفريقيا الوسطى:

على أثر اندلاع الصراع في جمهورية إفريقيا الوسطى والذي قادته جماعة السيليكا (تحالف سياسي عسكري مسلم) عام 2013 ضد القوات الحكومية والذي أسفر عن عزل الرئيس المسيحي فرانسوا بوزيز، ونَصَّبت بدلاً منة زعيم الحركة “ميشيل دجوتويا” كرئيس مؤقت للبلاد لمدة 10 شهور فقط، وبالمقابل ورداً على عزل الرئيس “المسيحي الديانة” دعت الأغلبية المسيحية بجمهورية إفريقيا الوسطى لتشكيل جماعة مسلحة انتي بالاكا مناهضة للسيليكا ومما أدى لاندلاع أحداث عنف طائفي في البلاد خلف ورائه عشرات من القتلى والمصابين.

استدعت الأزمة تدخل أفريقي فرنسي أولا، حيث نشر الاتحاد الأفريقي بعثة لدعم أفريقيا الوسطى باسم “ميسكا”، كما  تدخّلت فرنسا عسكريا، ثم قرر مجلس الأمن الدولي، نشر قوة حفظ سلام، تحت اسم “مينوسكا”، مكونة من 12 ألف جندي، في محاولة لاستعادة الاستقرار في البلد المضطرب/)

أخشاب الدم … تدفع الشركات العالمية لتمويل المسلحين:

استخدمت الأطراف المتصارعة الموارد الأولية كأحد مغذيات الحروب في دول غرب ووسط إفريقيا، مما أتاح فرصة لاستغلاله من قبل الجماعات المتحاربة والشركات المستغلة للأخشاب العالمية كما أن الحكومات في تلك البلدان تكافئ من يساندها بإعطائه حق امتياز فى استثمار تلك الغابات.

 ولقد شكلت ظاهرة أخشاب الدم السمة الرئيسية في جمهورية أفريقيا منذ عام  2012 وتكشف تحقيقات منظمة شاهد العالمية (وهي منظمة دولية غير حكومية تأسست عام 1993 تعمل على كسر الروابط بين استغلال الموارد الطبيعية والنزاعات والفقر والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم) في تقريرها (أخشاب الدم 2015) عن تورط شركات تصنيع الأخشاب الأوروبية والصينية بدفع الأموال لمتمردي السيلسكا المسلمين خلال فترة حكم زعيمها ميشيل دجوتويا حيث بلغت مقدار الأموال المدفوعة لمتمردي السيليكا حوالي 3.4 مليون يويرو عام 2013 مقابل الحصول على الحماية وتسهيل المرور من الدوريات الأمنية ونقاط التفتيش، كما حصل متمردي السيليكا على ما يقرب من  3.7 مليون يورو كضرائب مستحقة لحكومة الرئيس ميشيل دجوتويا(2).

  وبعد الإطاحة بحكم جماعة السيليكا عام 2014، استمرت الشركات العالمية وبالتحديد الشركات الفرنسية IFB والصينية Vicwood واللبنانية SEFCA في السيطرة على منطقة الغابات المطيرة بإفريقيا الوسطى، فشكل نحو 99 ٪ من صادرات الأخشاب من البلاد في دعم الجماعات المسيحية، وذلك وفقا لتقديرات منظمة شاهد العالمية إجمالي الأموال المدفوعة من شركات قطع الأشجار لجماعات انتي بالاكا المسيحية بـ 127.864 يورو، والتي بدورها قامت بارتكاب جرائم القتل والعنف والتشريد للمسلمين في باغي مما اضطر المسلمون الهروب إلى تشاد والكاميرون (3)

تواطؤ غربي …. وصمت دولي!

وعلى الرغم من التدخل الأوروبي وتقرير مجلس الأمن إرسال بعثة دولية لمسانده القوات الفرنسية والإفريقية لإرساء الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى، إلا أن تقرير منظمة شاهد يكشف عن حقيقة مفادها، أن دول الاتحاد الأوروبي بذاتها مثل ألمانيا وفرنسا كانت المشترين الرئيسيين للأخشاب من جمهورية إفريقيا الوسطى، ويوضح التقرير أن دول الاتحاد الأوروبي قد تورطت في شراء أخشاب الصراع من شركات قطع الأشجار في جمهورية أفريقيا الوسطى  والتي دفعت مبالغ ضخمة إلى الجماعات المسلحة حتى يتمكنوا من مواصلة قطع الأشجار بطريقة غير مشروعة، بالإضافة إلى تقديم معونات ومنح لشركات قطع الأشجار المحلية، حيث قدمت فرنسا ملايين اليورو كمساعدات إنمائية إلى شركات قطع الأشجار في جمهورية أفريقيا الوسطى والجدير بالذكر، هو أن أوروبا تعد هي الوجهة الرئيسية لأخشاب جمهورية أفريقيا الوسطى، مما يعني أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تفشل في الوفاء بالتزاماتها القانونية لمنع الأخشاب غير المشروعة من الأسواق الأوروبية كما يعني أيضا أن المستهلكين في الاتحاد الأوروبي قد يؤججون عن غير قصد صراعاً كان قد تم إرسال جيوشهم الخاصة بهم لوقف هذه الحرب(4)

ويبدو أن هذا الأمر يتوافق مع رغبة الدول الرأسمالية في الحصول على الموارد الأولية بأي صورة وبغض النظر عن الكيفية التي تحصل عليها سواء كانت بطريق شرعي أم لا، وعلى عكس الافتراض السائد بأن صناعة قطع الأخشاب في جمهورية أفريقيا الوسطى يمكن أن تؤسس لشراكة اقتصادية وتساهم في التنمية المحلية لبانغي، إلا أن ما تم فعليا هو استنزاف حقيقي لخشب إفريقيا لتعظيم استفادة الاقتصاد العالمي وعلى حساب دولة افريقية غنية بالمواد الأولية ولكنها فقيرة اقتصاديا وتعج بالصراعات الداخلية.

ثانياً: شركة لافارج العالمية للاسمنت في قلب مناطق الصراع السوري:

تمثل شركة لافارج العالمية نموذج آخر معقد لسلوك الشركات العالمية في مناطق اندلاع الأزمات والصراعات الداخلية، فقد شرعت شركة لافارج الفرنسية العالمية في بناء مصنع لتصنيع الاسمنت منذ عام 2007 وحتى عام 2010 باستثمارات فرنسية قدرها 680 مليون دولار وبالشراكة مع مجموعة ماس الاقتصادية السورية والتي كان يرئسها فراس طلاس نجل وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس(5)

حسابات المصالح تدفع لافارج الفرنسية لتمويل الجماعات المسلحة في سوريا:

وبعدما تحول مسار الثورة السورية وانتشار الجماعات المسلحة في سوريا بل وسيطرة بعض تلك الجماعات على مناطق حيوية في الشمال السوري وكانت منطقة خراب عشق من تلك المناطق التي سيطرت جبهة النصرة والأكراد المسلحين قامت الشركة لافارج وعن طريق فراس طلاس شريكها المحلي بعقد عدة صفقات مع تلك الجماعات المسلحة بهدف استمرار العمل داخل المصنع(6).

وعلى أثر إعلان تنظيم الدولة “داعش” الخلافة في سوريا وتوسيع مقدار الأراضي التي سيطرت عليها استطاع فراس طلاس أيضا أن يعقد صفقات مع مسلحي تنظيم الدولة حيث قدِرت الأموال التي كان يحصل عليها داعش من لافارج الفرنسية بحوالي 20 ألف دولار شهرياً وبما وصل إلي 50 مليون دولار منذ أن سيطرت الجماعات المسلحة2011 وحتى 2015 على تلك المناطق مقابل السماح لها باستمرار العمل داخل مصانع لافارج والسماح باستخدام المواد الخام الأساسية وتأمين دخول وخروج العاملين بالمصنع(7)

تورط ملحوظ: 

ومع تشكيل التحالف الدولي بقيادة واشنطن  في 2014 وشروعها في استهداف مناطق سيطرة داعش، بادرت الحكومة الفرنسية والتي طلبت بشكل واضح من الولايات المتحدة عبر السفير الفرنسي فرانك جيليت في رسالة عبر البريد الإلكتروني في 19 سبتمبر  2014 إلى مسئولين كبار في وزارة الخارجية الأمريكية: “يجب حماية هذا الاستثمار الفرنسي”، مشيرًا إلى مصنع لافارج على بعد 87 كيلومترًا تقريبًا من الرقة -عاصمة الخلافة المزعومة أنذالك – وتجنب استهداف مصنع لافارج الفرنسية بقرية خراب عشق والتي كانت فعلياً ضمن مناطق سيطرة تنظيم الدولة داعش(8)

وعلى الرغم من المزاعم الغربية بمحاربة الإرهاب، إلا أن السلطات الفرنسية ارتأت أن حماية المشروع الفرنسي لافارج من القذف هو تصرف مشروع، ويبدو أن طلب السلطات الفرنسية بعدم استهداف مصنع لافارج قد تناغم مع إرادة أمريكية لعدم استهداف استثمار غربي يمكن أن يكون له دور في عملية إعادة أعمار سوريا فيما بعد، وبالفعل لم تقم قوات التحالف الدولي باستهداف المصنع رغم وقوعه ضمن مناطق سيطرة داعش وعلى بعد أمتار من الرقة .

والجدير بالذكر هنا موقف الخارجية الفرنسية  والتي وامتنعت عن التعليق عندما سئلت عن طلب  تقدمت عام 2014 إلى السلطات الأمريكية وما إذا كانت الحكومة تدرك أن لافارج تقوم بتسديد المدفوعات للجماعات المسلحة(9).

 ومما زاد الأمر غموضاً، هو اعتراف مدير أمن الشركة جان كلود فيارد (وهو قائد بحري سابق وعلى دراية بدوائر الدفاع ويعمل مع الشركة منذ عام 2008، وله علاقات وطيدة مع مختلف أجهزة الاستخبارات الفرنسية) أنه كان ينقل المعلومات بانتظام إلى أجهزة الاستخبارات الفرنسية وبما وفر للأخيرة فرصة للتعرف على عدد كبير من معلومات وأرقام ورسائل وألقاب وأوصاف ممثلي التنظيم، حيث مكنت هذه المعلومات أجهزة الدولة الفرنسية من الاطلاع على واقع التوازنات العسكرية في الشمال السوري(10).

ويطرح هذا الوضع تساؤلا مفاده هل تورطت أجهزة الاستخبارات الفرنسية في دعم تنظيم داعش الإرهابي؟

واقعياً، سمحت أجهزة الاستخبارات الفرنسية بتمويل شركة لافارج الفرنسية لجماعات مسلحة مثل داعش في مقابل توفير وجمع معلومات وبيانات عن التنظيم الإرهابي، حيث أن السلطات الفرنسية قد أوقفت التعاون الأمني والاستخباراتي من النظام السوري منذ اندلاع التظاهرات في 2011.

ختاما؛ لم تتوانى الشركات العالمية متعددة الجنسيات في تغذية وتمويل الجماعات المسلحة  بغض النظر عن انتمائها العقائدي والتنظيمي في مقابل حماية مصالحها وعقد اتفاقات طويلة الأمد لاستغلال الموارد ولضمان نصيبها في مشروعات إعادة الأعمار وهو ما يكرس لطبيعة الدور الاستعماري الخبيث الذي يلعب بمقدرات وأمن واستقرار الدول والمجتمعات التي تندلع بها صراعات داخلية.

الهوامش

(1) “اتفاقية بين تحالف السيليكا والقوات الفرنسية لتطبيق ‘تدابير الثقة’ في أفريقيا الوسطى”، صحيفة القدس العربي، مايو 2014، متاح على الرابط الآتي: https://cutt.ly/XuU8ZFJ 

 (2) Globalwitness, ” BLOOD TIMBER ,How Europe played a significant role in funding war in the Central African Republic”,2015,at: https://cutt.ly/zuU88Yr 

(3) “( Timber companies paid CAR armed groups millions, claims report”,THE GURDIEN, 15 Jul 2015,at:. https://cutt.ly/xuU4eGk 

(4) ” BLOOD TIMBER ,How Europe played a significant role in funding war in the Central African Republic”,ipid. 

(5) نقلاً عن وكالة الأخبار السورية الرسمية سانا، تاريخ الاضطلاع 29 مايو 2015 ،متاح على الرابط الأتي:

https://cutt.ly/xuU4pxG

(6) “‘ISIS Is Coming!’ How a French Company Pushed the Limits in War-Torn 

Syria”,nytimes, March 10, 2018,at: https://cutt.ly/cuU4jsJ 

(7) Ipid.

(8) “Exclusive: France Asked U.S. Not to Bomb Lafarge Factory in Syria in 2014 – Emails”, u . s .news, April 25, 2018, at: https://cutt.ly/duU4bY6 

(9) Ipid.

 (10) “هل كانت المخابرات الفرنسية في صلب علاقة لافارج مع تنظيم الدولة؟”،موقع تليفزيون سورية، بتاريخ32 ابريل2018 ، متاح على الرابط الأتي: https://cutt.ly/RuU4TT6 

*باحث ماجستير – جامعة قناة السويس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى