سياسة

رحلتي إلى أبوسمبل شهادات حية على العلاقات المصرية السودانية المتدهورة

كثير منا قد توجد حوله مدن ومناطق  طبيعية أو أثرية عظيمة  سواء تاريخية أو دينية أو ثقافية ولا يفكر يوما في زيارتها، أو قد لاتتيح له ظروف عمله وظروفه المادية زيارتها لكن الأغلبية غير معذورة بذلك، صحيح أن الكثير المناطق الأثرية المصرية تكاد تكون مبتورة عن المدن والعمران الحديث المشوه من ناحية انعدام وجود مواصلات عامة إليها وبالذات خارج نطاق القاهرة الكبرى والإسكندرية وهذا خطأ سياسات بالتأكيد ولا يلام عليه المواطنون، وصحيح أن هذه المناطق بعيدة وقد لا تجدي من الناحية الاقتصادية قصيرة النظر فكرة توفير ولو رحلة نقل عام يومية إليها لكن الأمم لا تفكر في تواريخها بهذا الرخص ولا بهذا المنطق، لأنه حتى وإن غزا القطاع الخاص هذه القطاعات ووفر هذه الخدمات فإنه يوفرها بشروطه مستغلا المواطنين وغياب بديل أمامهم ليس هذا وحسب بل قد يتبجح في الزبائن من المصريين والأجانب، يحدث هذا في ملايين المشاهد والخناقات اليومية ليس فقط على طرق المناطق السياحية بل أيضا في قلب العاصمة وشوارعها الأساسية.

هذه المدينة التي تحتفظ بمعبدين من أعظم ما أنتجت الحضارة المصرية القديمة، عندما كنت في أسوان لظروف عائلية قررت ودون سابق تخطيط أن أزورها، كل ما كان على فعله فقط هو التفكير في كيفية الانتقال وكلفته وتوفير يوم واحد أذهب وأعود فيه من أسوان لأبي سمبل السياحي والعكس، لم تكن الرحلة مكلفة من هذه النواحي أكثر من مائة جنيه 60جنيها أجرة الميكروباص ذهابا وإيابا وثلاثون جنيها ثمن أشهى وجبة أسماك بلطي أكلتها في حياتي هناك.

خرجت في الحادية عشرة صباحا حيث طقت في دماغي وذهبت لموقف الأقاليم بأسوان وأنا لا أعرف أن هناك 2 أبوسمبل إحداهما أبو سمبل السياحي والأخرى أبو سمبل التهجير، ركبت السيارة الأجرة المحملة بكل أطياف المصريين، البعض من النوبيين الذين يسكنون المنطقة والبعض الأخر عمال وصنايعية قادمون من المنيا وأسيوط وسوهاج للعمل ببعض المشروعات الموجودة هناك، قطعنا المسافة في قرابة الأربعة ساعات ولست من أصحاب نظرية تقريب المسافات بالكدب لكي أضحك على أحد وأقول له إنها ثلاثة ساعات فقط بالسيارة كما هو الدارج، هي أربعة ساعات بالتمام والكمال شاملة الاستراحة، وليس مطلوبا من أحد أن يقود سيارته بسرعة 100كم/ساعة لكي يقطع المسافة في 3ساعات كما لو كان في سباق لأن الطريق مقطوع وحرفيا لا توجد فيه أية خدمات سوى بالقرب من توشكى الجديدة وأبوسمبل وهو طريق ليس له ازدواج مع أهميته سواء من الناحية التجارية مع جار مهم كالسودان أو من الناحية السياحية التي كانت إلى وقت قريب منتعشة في هذه المنطقة. لكن يبدو أن المنطق السائد في التخطيط هو عدم أخذ كلفة فقدان البشر على الطرق في الاعتبار كما أن هذا المنطق يفترض أيضا أن التجارة بين مصر والسودان لن تتطور لحد أكبر مما هي عليه ربما لعقود وهو حد متدني جدا مقارنة بالتبادل التجاري مع دول جوار وغير جوار أخرى.

دارت العديد من النقاشات عبر الطريق الممتد لأربعة ساعات سواء مع الصنايعية من بقية مدن وادي النيل أو مع عم سعيد النوبي دمث الخلق الذي يعمل بالمنطقة، عبر الطريق تجد أبناء وادي النيل الذاهبين للعمل لأول مرة بالمنطقة يستعجبون كثيرا من طول وعمق امتداد الصحراء على الطريق أحدهم نقاشا يتساءل كل دي ميه في الصحراء وهو لا يدرى أن هذا سراب بادي على جانبي الطريق من شدة انبساط واستواء الصحراء مع سطوع الشمس عليها، هنا تثار مشكلة المياة التي تؤرق سكان هذه المناطق أكثر من غيرهم إذ يعتمدون على الصيد بشكل أساسي بعد أن تم تدمير السياحة بفضل سياسيو ما بعد الثورة وسياساتهم الخاطئة.

هنا يتداخل عم سعيد المهموم بقضية المياه حيث يعمل بقطاع الكهرباء ويسكن في المنطقة وكلاهما مهددتان من سد النهضة الإثيوبي، عم سعيد لا يعجبه تحركات الحكومات في ملف سد النهضة ويجادل بأن الوزير نصر الدين علام الذي كان رافضا لاتفاق المباديء حول السد كان عنده وعي بمخاطره، مرددا عبارات لست أدري إن كان علام قالها أم لا بأنه لا يصلح إقامة سدود دون مخاطر على كامل مجرى النهر سوى مكان السد العالي” لم أناقشه في صحة أو خطأ هذه المقولة لكني تقمصت دور المستمع وفقط، لكنه أثار شكوكا قوية حول مستقبل هذه المدينة وبحيرة ناصر بأكملها إذا ما ملأت أثيوبيا خزان سدها بالمواصفات التي أنشأته بها حيث يتوقع أن ينخفض منسوب البحيرة وينخفض حجم إنتاجها من الأسماك ومن ثم تتأثر الزراعة والصيد في هذه المدينة قبل غيرها من مدن مصر ومع القيود الشديدة على التجارة بين مصر والسودان يختنق هؤلاء السكان.

ينتقل هو والآخرون للنقاش حول أفشل مشروع في التاريخ بتعبيره وهو مشروع توشكى الذي أنفقت عليه مليارات الدولارات دون جدوى، وأهدرت فيه حقوق الدولة المصريية وحقوق المصريين في مئات الألاف من الأفدنة دون تعمير أو استصلاح حقيقي لمعظمها مع تكفل الدولة بكامل تكلفة البنية التحتية ودون حتى إرادة لاسترداد هذه الحقوق بعد الثورة، ينتقل عم سعيد إلى ما تم خلال إنشاء مشروع ترعة الشيخ زايد من فساد رهيب سواء في عملية إسناد الحفر للمقاولين أو تقدير هؤلاء المقاولين ومن أسند لهم عمليات الحفر ب80جم للمتر المكعب رمل من قاع الترعة و150جم لنظيره من السطح متسائلا عن أي منطق وراء هذا؟؟

ينقلنا النقاش إلى ساحة أخرى من ساحات الاستهتار المصري وهو لماذا يغلق طريق قسطل البري الذي تعاقبت على افتتاحه الحكومات والرؤساء أكثر من مرة، وينتهي الأمر عند قص الشريط ثم نعود ونتباكى لماذا تعاملنا السودان هكذا بينما تقترب من الجانب الأثيوبي؟؟ ليكشف لنا النقاش مع العديدين أن جهة سيادية ما تحول دون استمرار تشغيل الطريق بحيث تمر كافة التجارة والبشر والبضائع عبر عبارتها في بحيرة ناصر دون أخذ في الاعتبار لتناقص هذه التجارة نتيجة طول فترة الانتظار التي تقضيها تلك الشاحنات في الانتظار على الأسفلت ما يؤثر على كفاءة بعض المنتجات الغذائية الضئيلة جدا المتنقلة بين البلدين، ويؤثر أيضا على كفاءة الطريق الذي أنشئ أساسا لأغراض سياحية ويبدو عليه بشكل واضح التأثر بما يقف عليه من الشاحنات الحاملة لأطنان من السلع والمنتجات في انتظار دورها في العبور الذي قد يطول لأكثر من أسبوع رغم قلة عددهذه الشاحنات.

يمكن للمرء وببساطة شديدة أن يلاحظ ضعف التجارة بين بلدين تعدادهما معا يفوق 120 مليونا من البشر، ولا تنتقل بينهما يوميا سوى من 10-20 شاحنة، هذا الرقم لا يتناسب حتى مع نظيره في منفذ السلوم البري ولا حتى في موانئ نويبع والسويس وسفاجا حتى لو استبعدنا تأثير العمالة المصرية في دول الخليج،  ثم يهيم مسؤولونا عبر الشاشات ووسائل الصحافة بأن اهتمامنا بأفريقيا متزايد وأننا أشقاء كما لو كانت العلاقات تسير بالحب، ولا يستحي المسؤولون في مصر من تكرار مقولات أن التبادل التجاري بين البلدين لا يرقى للمستوى المطلوب إذ أن آخر رقم ذكره وزير التجارة والصناعة المصري في سبتمبر 2015 لحجم التبادل التجاري كان 126.5 مليون دولار، بينما يذكر وزير الخارجية السوداني أن الرقم في يناير 2016 هو 850 مليون دولار، وحتى هذا الرقم ضئيل جدا مقارنة بحجم سكان البلدين وينبيء عن خطأ شديد في السياسات المصرية والسودانية معا. 

هذه السياسات الخاطئة لا تسير عبثا إذ يمكنك على طريق العودة وبنقاش بسيط مع السائقين والناس التي اعتادت هذا الطريق أن تكتشف أن ما يمر عبر درب الأربعين من بشر وسلع مشروعة وغير مشروعة عن طريق التهريب أكبر بكثير مما يمر رسميا، فلمصلحة من تغلق الأبواب الشرعية لتنقل السلع والبضائع إن لم تكن لمصلحة هؤلاء المهربين؟ في طريق العودة ركب معنا 4 أشخاص  من المنيا كانوا عائدين من رحلة فاشلة للهرب إلى ليبيا حيث تعطلت السيارة التي كانت تقلهم وأجهدوا من محاولات تصليحها ونفذ منهم الماء ويحمدون الله على عودتهم أحياء.

وهذه الأنشطة للأسف تكلفنا سوء علاقات مع دول جوار مهمة وتكلفنا أيضا انخفاضا بالمليارات في حجم التجارة والعمالة التي كان يمكن أن تذهب إلى هذه الدول بل وتكلفنا ضعفا في الاستثمارات في المناطق الحدودية يمكن تقديره بالمليارات، وتكلفنا فوق هذا وذاك ضعفا في علاقة الدولة بسكان هذه الأطراف قد يحتاج لعقود لمعالجته بعد تصحيح الأخطاء في السياسات.

لا يمكن للمرء تحميل ساكني هذه المناطق أية مسئولية في تدهور العلاقات المصرية السودانية إذ هم أكثر المتضررين من سوئها وأكثر الراغبين في تحسينها ومع ذلك يتم اعتبار أراضيهم الملاصقة لها أرضا حدودية ويحرمون من ممارسة أنشطتهم الطبيعية عليها فلصالح من يتم هذا؟ ولصالح من هذا التدهور؟ 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى