سياسةمجتمع مدني

رواندا من الإبادة الجماعية إلى العدالة الجندرية

محمود الفرجاني*

مقدمة :

عصفت بدولة رواندا عام 1994 إبادة جماعية إنعكست وبشكل واضح على التركيب النوعي للمجتمع وعلى الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخليا، وبات وضع النساء والفئات الاضعف إجتماعيا مزريا حيث كنًّ ضحايا للقتل والإغتصاب والتعذيب والإعتداء الجنسي أثناء تلك الفترة، ونتيجة لذلك وبعد الإبادة الجماعية مباشرة، فإن التركيب النوعي لسكان رواندا قُدر بنحو 70% من الإناث؛ غير أن رؤية رواندا 2020 المعنونة ب “لاتدع خلفك أحد” قد أرست لمسارات العمل الإنمائي في الدولة وبشكلٍ إحتوائي  والآن بعد مرور ستة عشر عاماً تقريباً ، تولى أكثر من 56% من الإناث البالغات أدوارًا جديدة في المجالين المنزلي والعام، لم يكن المجتمع الرواندي قد نسبها إليهن من قبل وقد تضمنت هذه الأدوار المهام اليومية المحظورة عادة على النساء، مثل وضع الأسطح على المنازل، وبناء حاويات حول المنازل، أو حلب الأبقار، وأدوار إضافية في المجتمع، مثل رب أو عائل الأسرة أو المسؤول الحكومي – وإذا كان ذلك كذلك –  هذه الورقة البحثية تهدف إلي تقديم نظرة عامة عن إنجازات التمكين الجنساني بدءأ من ممارسات الإنصاف أولاً، وصولاً إلي غايات العدالة الجندرية في الأخير وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية، علي مدى السنوات العشرين الماضية.

نمو كاسح و تنمية كسيحة

بلغ معدل النمو الاقتصادي للدولة 8% تقريبا في المتوسط خلال العقدين التاليين لتدشين الخطة الاستراتيجية الإنمائية طويلة المدي[i]، والمعروفة باسم رؤية رواندا 2020، فيما أدي إلي تصنيف الدولة ضمن أفضل اقتصادات العالم من حيث النمو الاقتصادي وسيادة توقعات متفائلة بمستقبلها الاقتصادي الواعد، لتحوذ على اسم الأسد الأفريقي في الأدبيات الإنمائية، وعلى الرغم من النمو المتسارع فقد بلغت قيمة مؤشر التنمية البشرية في رواندا 0.524 لعام 2017 – مما يضع الدولة ضمن فئة التنمية البشرية المنخفضة[ii]– وبترتيب 158 من أصل 189 دولة ، غير أنه وبين عامي 1990 و2017 قد ارتفعت قيمة مؤشر التنمية البشرية في رواندا من 0.250 إلى 0.524، بزيادة 109.6%، حيث حققت رواندا زيادة في متوسط العمر المتوقع عند الولادة بنسبة 33.3 سنة، كما زاد متوسط سنوات الدراسة بمقدار 2.3 سنة، وزادت السنوات المتوقعة من الدراسة بنسبة 5.5 سنوات، كما ارتفع نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في رواندا بنحو 108.4% بين عامي 1990 و 2017 لتمثل زيادة الدخل النصيب الأكثر وزناً بين الأبعاد الثلاثة لمؤشر دليل التنمية البشرية، رغم الطفرة الكبيرة في مؤشر العمر المتوقع ( الشكل 1) .

ومع ذلك؛ فعندما يتم خصم القيمة لمعامل عدم المساواة، ينخفض مؤشر التنمية البشرية إلى 0.367، وهو خسارة بنسبة 30.0% بسبب عدم المساواة في توزيع مؤشرات أبعاد مؤشر التنمية البشرية، في تقرير التنمية البشرية لعام 2014، قدم تقرير التنمية البشرية مقياسًا جديدًا، وهو مؤشر التنمية العالمية، استنادًا إلى مؤشر التنمية البشرية المصنف حسب الجنس، والذي تم تعريفه على أنه نسبة من الإناث إلى مؤشر التنمية البشرية من الذكور، و يقيس مؤشر المساواة بين الجنسين التفاوت بين الجنسين في الإنجاز في ثلاثة أبعاد أساسية للتنمية البشرية: الصحة (مقاسة بمتوسط ​​العمر المتوقع للإناث والذكور عند الولادة)، والتعليم (مقاسة بسنوات الدراسة المتوقعة للإناث والذكور للأطفال ومتوسط ​​سنوات للبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 سنة وأكبر سنا)؛ والسيطرة على الموارد الاقتصادية (تقاس حسب نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي للإناث والذكور).

الشكل (1) تطور أبعاد التنمية البشرية في رواندا خلال الفترة ( 1990- 2017)

المصدر : تقرير التنمية البشرية لجمهورية رواندا 2017

التمكين السياسي للمرأة – المسار الحتمي

تغيرت أدوار الجنسين بشكل كبير منذ الإبادة الجماعية عام 1994، فأدت الإبادة الجماعية والحرب الأهلية (1990-1994) وما أعقبها إلى تغيير ديموجرافي وسوسيولوجي سريع داخل المجتمع وخاصة من حيث أدوار الجنسين، كما أنها أفرزت أكثر من مليوني لإجئ إلى جانب مئات الآلاف من المشردين داخلياً، كما تم تدمير البنية التحتية الاقتصادية والمادية على كل مستوى، وبعد الإبادة الجماعية[iii]، ومن ثم وجدت العديد من النساء الروانديات أنفسهن ربات منازل تعولن أسرهن قصراً، سواء لأن أزواجهن قضوا نحبهم، أو في المنفى، أو في السجن، أو في الخدمة العسكرية مع الجبهة الوطنية الرواندية، وجد الناجون، وخاصة النساء، أن ما يسمى بأساليب الحياة “التقليدية” وأنماط البقاء لم تعد ممكنة.

ومن ثم واصلت حكومة رواندا ومنذ عام 1999 اتباع ثلاثة أنواع من الحصص في وقت واحد: المقاعد المحجوزة، والحصص الحزبية، والحصص التشريعية كما تم تدشين أول مقاعد برلمانية محجوزة من خلال قرارات إدارية في انتخابات المستوى المحلي لعام 2001 حيث ترشحت المرشحات للمقاعد المحجوزة للنساء على مستوى الخلية والقطاع والمقاطعة، كما أنشأ دستور عام 2003 مقاعد محجوزة للنساء في مجلس النواب، وهذا التمكين السياسي أدي إلى تحديد جدول أعمال تشريعي للمرأة في عام 2004 والذي تضمن تشريعات منع العنف القائم على نوع الجنس في عام 2006، والذي يُحسِّن وضع و حقوق المرأة، لكن لم تحقق البرلمانيات نجاحاً يُذكر في تغيير ثقافة “الخصومة” في البرلمان، أو في مجالات أخرى مثل تغيير ساعات العمل أو إلحاق مرافق رعاية الأطفال بأماكن العمل، وفيما يتعلق بجدول أعمال السياسة، نجحت أعضاء البرلمان في أن تثير قضايا المساواة والتعليم ووضع المرأة الاقتصادي السيئ نسبياً ورعاية الأطفال والعنف ضد المرأة وإدماج النوع الاجتماعي في قضايا العمالة والأجور، ومع ذلك، وبالتالي فإن الحصص الجنسانية وزيادة تمثيل المرأة في النظام السياسي شجعت النساء على القيام بأدوار قيادية في مجالات أخرى من المجتمع الرواندي[1] .[2] 

الجدير بالذكر أن دستور رواندا الصادر في حزيران/يونيه 2003 أرسى مبادئ المساواة بين الجنسين والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ويوفر مرجعية قوية للغاية لتعميم مراعاة المنظور الجنساني في جميع القطاعات، حيث يشترط أن 30% على الأقل من المناصب في أجهزة صنع القرار على المستويات الوطنية والإقليمية والمستويات المحلية من النساء. كما تم تخصيص وزارة الشؤون الجنسانية والنهوض بالأسرة (MIGEPROF) التي أنشئت في عام 2003، وهي الآلية الوطنية التي لديها حقيبة لتعزيز المساواة بين الجنسين في جميع مراحل عملية التنمية في البلد، وفي عام 2004 اعتمدت حكومة رواندا السياسة الجنسانية الوطنية (NGP)، و تمت الموافقة على تنقيحها للمرة الثانية في يوليو 2010.

وطالما أن هناك ارتباطًا إيجابيًا بين تمكين المرأة والتحسينات الاقتصادية وزيادة رفاه أسرتها ومدخراتها وتعزيز الصادرات وخلق فرص العمل، فإن رواندا تعد رائدة على مستوى العالم في تعزيز المساواة بين الجنسين، ففي خلال ما يزيد قليلاً على عقد من الزمان، وضعت الإصلاحات في المجال السياسي والتشريعي تمكين المرأة في مقدمة أولويات الحكومة ومنحت المرأة في رواندا حقوقًا كاسحة.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية : قطف الثمار

كان إنخفاض الفقر بين الأسر المعيشية التي ترأسها أنثى (FHH) من 66.3 % إلى 60.2 % (بين 2001 و2006) وصولاً إلي 48% من أهم وأعمق تأثيرات التمكين الجنساني في رواندا؛ بالإضافة إلي تحسين التنمية البشرية والنمو الاقتصادي الشامل، والتكافؤ بين الجنسين في التعليم الابتدائي؛ والمساواة بين الجنسين في المشاركة في صنع السياسات (56% من أعضاء البرلمان من النساء؛ كما تم إنشاء الهيكل المؤسسي لتعميم مراعاة المنظور الجنساني[iv]، ونتيجة لهذه الإصلاحات، فإن 41% [3] من الروانديين أصبحوا يؤيدون  دعم  وتمكين المرأة، كما إن أهداف التنمية المستدامة تحمل الوعد بأن يكون هناك تمكين أقوى، لكن يجب تسريع التقدم على نطاق غير مسبوق إذا أريد الوفاء بالالتزامات الواردة في خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

كما شهدت رواندا نمواً اقتصادياً هائلاً في السنوات العشر الماضية مع معدل نمو ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمتوسط 7% – 8% منذ عام 2003، في حين انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر من 56.7% في عام 2006 إلى 44.9% في عام 2011. حيث تسترشد التنمية الاقتصادية في رواندا بخطة طويلة الأجل، رؤية 2030 ، التي تهدف إلى تحويل رواندا من اقتصاد منخفض الدخل قائم على الزراعة إلى بلد متوسط الدخل قائم على المعرفة وموجه نحو الخدمات بحلول عام 2030، كما سجلت رواندا إنجازات اجتماعية واقتصادية بارزة خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، وفي النمو الاقتصادي، وكذلك في التوازن بين الجنسين في أجهزة صنع القرار[v]، وتعد رواندا من بين الدول العشرة التي تم اختيارها لتجريب المجالات المواضيعية في الأهداف الإنمائية للألفية ( هناك دولتان فقط من إفريقياً هما تونس ورواندا).

التقدم في تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة:

أصبحت المرأة ممثلة تمثيلا جيدا في التشريعات وبعض مناصب صنع القرار: 64% في البرلمان، 50% في السلطة القضائية، 40% في مجلس الوزراء، 40% بين حكام المقاطعات، 43.2% بين أعضاء مجلس المنطقة، 83.3% بين نواب العمد والمسؤولين عن الشؤون الاجتماعية[vi].

التعليم الابتدائي الشامل:

كان القيد 50.9% للفتيات مقابل 49.1% للبنين، وقد ارتفعت نسبة التحاق الفتيات بالمدارس الابتدائية من 95.1% في عام 2009 إلى 98% في عام 2012، وكانت أعلى من نسبة الأولاد التي كانت 95%. يمكن أن تعزى الإنجازات إلى البرامج التي تركز على الفتيات لدعم وصولهن واستبقائهن، من بين أمور أخرى، برنامج التعليم الأساسي لمدة 9 سنوات (B9Y) وبرنامج التعليم الأساسي لمدة 12 سنة (B12Y)، وإنشاء غرف خاصة للفتيات في كل مدرسة.[4] 

الصحة:

 نتيجة لتحسين الوصول إلى رعاية صحية أولية محسنة، وتقديم خدمات عالية الجودة، فضلاً عن تغطية التحصين العالية والمستدامة بنسبة 97%، انخفض معدل وفيات الأمهات من 1070 لكل 10000 ولادة حية في 2005 إلى 476 لكل 10000 ولادة حية في 2010، كما انخفض معدل وفيات الرضع من 86 لكل 1000 مولود حي في عام 2005 إلى 50 لكل 1000 في عام 2010. وتم تلقيح جميع الأطفال الإناث حتى سن 15 عامًا ضد سرطان عنق الرحم، وتمكنت رواندا من الحد من الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز خاصة بين الإناث.

الشكل (2) تطور الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة / الإيدز ( حسب النوع )

Source: UNDP Human Development for Everyone Briefing note for countries on the 2016 Human Development Report :Rwanda , (UNDP : Human Development Report , 2016)

القانون والعدالة:

أدى الإطار القانوني لرواندا إلى المساواة في الحقوق والوصول إلى الملكية والميراث، سجلت حكومة رواندا جميع الأراضي التي نتج عنها تسجيل 18% من الأراضي باسم الرجال، و 26% باسم النساء فقط، و54% ملكية مشتركة للرجال والنساء وقد أدى ذلك إلى تحسين حصول المرأة على القروض لوفرة ضمانات الأصول[vii].

إستنتاج وتوصية:

بناء على دراسة مسارات ومآلات العدالة الجنسانية لرواندا، فإن الدرس الأهم والأكثر إثارة للملاحظة والاهتمام، هو أن وجود عدد أكبر من النساء في الحكومة والبرلمان لم يؤد بالضرورة إلى مزيد من الديمقراطية أو حكومة أكثر ديمقراطية بسبب فوز الرئيس  Kagame  لولايته الثانية والنهائية بموجب الدستور الحالي، غير أن اقترح بعض أعضاء في الحكومة الجديدة  بتغيير الدستور للسماح للرئيس كاغامي بالترشح لولاية ثالثة يضع مكتسبات التحول الديموقراطي والتمكين الجنساني على المحك، وإذا أسقطنا هذا الاستنتاج علي الحالة المصرية، فإنه يمكن القول أن مزيد من التمكين الشكلي لفصيل أو نوع معين سيكون خصماً من فرص التأصيل الجاد لتجربة تحول ديمقراطي حقيقي فيما تواضعت الأدبيات السياسية على تسميتها بالديموقراطية الملساء أو الصلعاء، تسمو بالشكل دون المعني علي مدارج التحول الديمقراطي أولاً ، والعدالة الجندرية في الأخير .


[i] Donald KABERUKA, Rwanda’s VISION 2020 , (Kigali: Minister For Finance And Economic Planning, July 2000)

[ii] UNDP Human Development for Everyone Briefing note for countries on the 2016 Human Development Report :Rwanda , (UNDP : Human Development Report , 2016)

[iii] Human Rights Watch , Rwanda: Justice After Genocide 20 Years On , 28Marsh , 2014

[iv] UNDP Human Development for Everyone Briefing note for countries on the 2016 Human Development Report :Rwanda , (UNDP : Human Development Report , 2016)

[v] Gretchen Bauer & Jennie E. Burnet , Gender Quotas, Democracy and Women’s Representation in Africa: Some Insights from Democratic Botswana and Rwanda

[vi] Jennie E. Burnet, Gender Balance And The Meanings Of Women In Governance In Post-Genocide Rwanda ,( Oxford University Press: African Affairs, 107/428, , 2008 )

[vii] United States Agency for International Development, „Rwanda Democracy and Governance Assessment‟,( Kigali : Office of Democracy and Governance, November 2002) 

* باحث دكتوراة الاقتصاد – جامعة القاهرة، مدرس مساعد الاقتصاد -أكاديمية المدينة، خبير تحليل السياسات العامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى