عروض وترجمات

في ذكرى إسقاط مبارك: ثورة يناير في كتاب أوباما “أرض موعودة” (2-3)

هذا هو الجزء الثاني من ترجمة لفصل يخص ثورة يناير في كتاب باراك أوباما، أرض موعودة، ضمن الصفحات من ٦٣٨ إلى ٦٤٧.

للاطلاع على الجزء الأول يمكنك الضغط علي هذا الرابط

في ميدان التحرير، استمرت المظاهرات في الاتساع، وكذلك الاشتباكات العنيفة بين المتظاهرين والشرطة. ويبدو أن مبارك استيقظ من سباته، فأعلن في خطابه الأول في الثامن والعشرين من يناير أنه سيعين حكومة جديدة، لكنه لم يُبد أي إشارة إلى اعتزامه الاستجابة لمطالب الإصلاح الأوسع. ونظراً لاقتناعي بأن المشكلة لم تُحل بعد، استشرت فريق الأمن القومي الخاص بي لمحاولة الخروج برد فعال،

فانقسمت المجموعة بصورة شبه كاملة على أساس جيلي. نصح الأعضاء الأكبر سنًا والأكثر أهمية في فريقي وهم: جو بايدن وهيلارى كلينتون وجيتس وبانيتا ــ بالحذر، فهم جميعًا يعرفون مبارك وعملوا معه لسنوات، وركزوا على الدور الذي لعبته حكومته منذ فترة طويلة في حفظ السلام مع إسرائيل ومحاربة الإرهاب والشراكة مع الولايات المتحدة في مجموعة من القضايا الإقليمية الأخرى. وبينما أقروا بضرورة الضغط عليه من أجل الإصلاح، حذروا من أنه لا توجد طريقة لمعرفة من أو ما سيحل محله.

في المقابل، كان الأعضاء الأصغر سناً، سامانثا باور وبِن رودس ودينيس روس وسوزان رايس وتونى بلينكين مستشار جو بايدن للأمن القومي، مقتنعين بأن مبارك قد فقد بشكل كامل شرعيته في حكم الشعب المصري ولا يمكن التراجع عنه، وكانت رؤيتهم، أنه بدلاً من إبقاء عربتنا مرتبطة بنظام استبدادي فاسد على وشك الانهيار (يبدو كذلك أنه أقر الاستخدام المتصاعد للقوة ضد المتظاهرين)، فإن من الحكمة من الناحية الاستراتيجية، ومن الصواب الأخلاقي، أن تنحاز حكومة الولايات المتحدة إلى قوى التغيير.

جمعت بين آمال مستشاريّ الأصغر سنًا ومخاوف أعضائي الأكبر سناً، فقررت أن أفضل ما يمكن فعله هو معرفة ما إذا كان بإمكاننا إقناع مبارك بتبني سلسلة من الإصلاحات الجوهرية، بما في ذلك إنهاء حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات السياسية وحرية الصحافة، وتحديد موعد لإجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة. مثل هذا “الانتقال المنظم” ــ كما وصفته هيلارى ــ من شأنه منح الأحزاب السياسية المعارضة والمرشحين المحتملين للرئاسة الوقت الكافي لبناء قاعدة جماهيرية وتطوير برامج جادة للحكم، كما سيسمح لمبارك بالتقاعد كرجل دولة طاعن في السن، مما قد يساعد في تخفيف وطأة التصورات المنتشرة في المنطقة بأننا كنا على استعداد للتخلي عن الحلفاء القدامى عند تعرضهم لأدنى قدر من المتاعب.

من نافلة القول إن محاولة إقناع طاغية طاعن في السن ومُحاصَر بالتنحي، حتى إذا كان ذلك في مصلحته ومصلحة بلده، سوف يكون أمراً غاية في الحساسية. بعد مناقشة غرفة العمليات، قمت بالاتصال بمبارك مرة أخرى، وبمجرد أن طرحت عليه فكرة اتخاذ قرارات إصلاحية أكثر جرأة أصبح أسلوبه هجومياً على الفور، ووصف المتظاهرين بأنهم من الإخوان، وأصر على أن الوضع سيعود إلى طبيعته قريبا، ومع ذلك وافق على طلبي بإرسال مبعوث هو السفير الأمريكي الأسبق في مصر في الثمانينات فرانك ويزنر، لإجراء المزيد من المشاورات الخاصة والمكثفة.

كانت الاستعانة بويزنر في توجيه نداء مباشر لمبارك وجهاً لوجه فكرة هيلاري، وكان منطق الاختيار وجيهاً، فويزنر سليل مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، ووالده كان قائداً مشهوداً خلال سنوات تأسيس وكالة المخابرات المركزية، وهو فضلاً عن ذلك، شخص يعرفه مبارك جيداً ويثق به. وفى نفس الوقت؛ كنت أدرك أن تاريخ ويزنر مع مبارك وأسلوبه الدبلوماسي الأمريكي العتيد قد يجعله متحفظاً في طرح أفكار التغيير، ولذلك قبل أن يغادر اتصلت به مع تعليمات واضحة بـ”كُن جريئا”: أردت منه أن يدفع مبارك ليعلن أنه سيتنحى بعد إجراء انتخابات جديدة، وهى لفتة كنت آمل أن تكون درامية ومحددة بما يكفى لمنح المحتجين الثقة في أن التغيير قادمٌ حقا.

بينما كنا ننتظر نتيجة مهمة ويزنر، أصبحت وسائل الإعلام أكثر تركيزًا على رد فعل إدارتي على الأزمة، وبشكل أكثر تحديدًا: إلى أي جانب ننحاز. وحتى ذلك الوقت كنا أصدرنا ما يزيد قليلاً عن بيانات عامة في محاولة لكسب الوقت لأنفسنا، لكن مراسلي واشنطن، الذين وجد العديد منهم بوضوح أن قضية المتظاهرين الشباب مقنعة، بدأوا يضغطون على جيبس متسائلين عن سبب عدم وقوفنا بشكل واضح مع قوى الديمقراطية.

وفى المقابل؛ أراد قادة المنطقة معرفة سبب عدم دعمنا لمبارك بقوة أكبر، حيث أصر بيبى (نتنياهو) على أن الحفاظ على النظام والاستقرار في مصر مهمٌ قبل كل شىء، وحذرني “سترى إيران هناك في غضون ثانيتين”. وكان العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز أكثر انزعاجاً، حيث كان انتشار الاحتجاجات في المنطقة يمثل تهديدًا وجوديًا للنظام الملكي في بلاده الذي طالما قضى على أي شكل من أشكال المعارضة الداخلية، معتبراً أن المتظاهرين المصريين لا يعبرون عن أنفسهم، وإنما ثمة أربع جهات تقف خلف المظاهرات هي: الإخوان المسلمون وحزب الله والقاعدة وحماس. 

لكن التدقيق أثبت عدم صحة تحليل نتنياهو والملك عبدالله، فلم يكن السنة الذين يشكلون الغالبية العظمى من المصريين (وجميع الإخوان المسلمين) عرضة لتأثير إيران الشيعية وحزب الله، ولم يكن هناك أي دليل على الإطلاق على أن القاعدة أو حماس كانت وراء المظاهرات بأي صورة من الصور. ومع ذلك، فإن القادة الأصغر سنًا والأكثر إصلاحًا في المنطقة، بمن فيهم العاهل الأردني الملك عبد الله، كانوا يخشون أيضاً من احتمال اندلاع احتجاجات في بلدانهم، وبينما استخدموا لغة أكثر تطوراً، كانوا يتوقعون بوضوح أن تختار الولايات المتحدة، كما قال بيبي، الانحياز إلى “الاستقرار” لا “الفوضى”.

بحلول 31 يناير، كانت دبابات الجيش المصري تتمركز في جميع أنحاء القاهرة، وأغلقت الحكومة خدمة الإنترنت في جميع أنحاء المدينة، وكان المتظاهرون يخططون لإضراب عام على مستوى البلاد في اليوم التالي. أرسل ويزنر تقريرا مفاده أن مبارك سيلتزم علنا بعدم الترشح لولاية أخرى، لكنه لم يصل إلى حد تعليق حالة الطوارئ أو الموافقة على دعم انتقال سلمى للسلطة،

أدى التقرير إلى توسيع الانقسام داخل فريق الأمن القومي الخاص بي: رأى الأعضاء الكبار أن هذا التنازل من مبارك مبرر كافٍ للبقاء معه، بينما اعتبر الأصغر سنًا هذه الخطوة ــ مثل قرار تعيين رئيس المخابرات عمر سليمان نائباً للرئيس ــ ليست أكثر من تحرك تكتيكي سيفشل في تهدئة المتظاهرين. أخبرني توم دونيلون ودينيس أن نقاشات الموظفين قد صارت أكثر حدة، وأن المراسلين كانوا يلتقطون التناقض بين تصريحات جو وهيلاري المُهدئة بحذر، في مواجهة الانتقاد الأكثر حدة لمبارك من جيبس ​​وآخرين في الإدارة.

جزئيًا للتأكد من أن الجميع يغنون نفس الترنيمة أثناء تحديد خطواتنا التالية؛ قمت بزيارة مفاجئة إلى اجتماع لجنة رؤساء مجلس الأمن القومي في غرفة العمليات في وقت متأخر من بعد ظهر يوم 1 فبراير 2011 ، وكانت المناقشة قد بدأت بالكاد عندما أخبرني أحد المساعدين بأن مبارك يدلى بخطاب للشعب المصري.

استدرنا لمشاهدة التلفزيون لمشاهدة خطاب مبارك في بثه الحي. بينما كان يرتدي بدلة غامقة اللون، ويقرأ من ورقة مكتوبة، بدا أن مبارك يفي بوعده لويزنر، فقال إنه لم يكن ينوى أبدًا ترشيح نفسه لولاية أخرى كرئيس، وأعلن أنه سيدعو البرلمان المصري ــ الذي يسيطر عليه بالكامل ــ لمناقشة تسريع جدول زمني لانتخابات جديدة. لكن شروط النقل الفعلي للسلطة كانت غامضة للغاية لدرجة أن أي مراقب مصري سيستنتج أن أي وعود يقدمها مبارك الآن يمكن أن تذهب أدراج الرياح، في اللحظة التي تخمد فيها الاحتجاجات.

والواقع أن الرئيس المصري خصص الجزء الأكبر من خطابه لاتهام محرضين وقوى سياسية لم يسمها باختطاف الاحتجاجات لزعزعة أمن الوطن واستقراره، وأصر على أنه سيستمر في الوفاء بمسئوليته كشخص لم يبحث أبدًا عن السلطة، لحماية مصر من عملاء الفوضى والعنف. عندما أنهى الخطاب، قام أحد الحضور في الغرفة بإغلاق الشاشة، ورجعت بظهري إلى الخلف وذراعي ممدودة خلف رأسي.

وقلت: “هذا لن يوقفها”.

كنت أرغب في اتخاذ خطوة أخيرة لإقناع مبارك بالبدء في انتقال حقيقي. بالعودة إلى المكتب البيضاوي، أجريت مكالمة معه، وفعّلت مكبر الصوت ليتمكن مستشارىّ المجتمعون من الاستماع. بدأت بالثناء على مبارك لقراره عدم الترشح مرة أخرى. كان بمقدوري أن أتخيل مدى صعوبة سماع مبارك لما قلته بعد ذلك، وهو الشخص الذي تولى السلطة لأول مرة عندما كنت في الكلية، وعاصر بعدها أربعة من أسلافي (الرؤساء السابقين للولايات المتحدة). 

“الآن بعد أن اتخذت هذا القرار التاريخي لانتقال السلطة، أريد أن أناقش معك كيف سيحدث هذا.. أقول هذا بأقصى درجات الاحترام… أريد أن أشارك تقييمي الصادق حول ما أعتقد أنه سيحقق أهدافك”. ثم أخبرته بشكل صريح ومباشر: إذا بقي في منصبه وأدى هذا إلى تأخير العملية الانتقالية، كما أعتقد، فإن الاحتجاجات ستستمر وربما تخرج عن السيطرة. وإذا كان يريد ضمان انتخاب حكومة مسئولة لا يهيمن عليها الإخوان المسلمون، فقد حان الوقت للتنحي فوراً واستخدام مكانته من وراء الكواليس للمساعدة في تشكيل حكومة مصرية جديدة”.

وعلى الرغم من أنني كنت أتحدث مع مبارك عادة باللغة الإنجليزية، فقد اختار هذه المرة التحدث إلى باللغة العربية، ولم أكن بحاجة إلى المترجم لالتقاط واستيعاب الانفعالات الغاضبة في صوته. قال مبارك بصوت مرتفع: “أنت لا تفهم ثقافة الشعب المصري.. الرئيس أوباما، إذا مضيت إلى مرحلة الانتقال بهذه الطريقة، فسيكون ذلك أخطر شيء بالنسبة لمصر”.

اعترفت له بأنني لم أكن أعرف الثقافة المصرية بالطريقة التي يعرفها، وأنه يعمل في السياسة لفترة أطول بكثير مني، ثم قلت له: “لكن هناك لحظات في التاريخ لا يعنى فيها مجرد أن الأمور كانت على حالها في الماضي أنها ستكون بنفس الطريقة في المستقبل. لقد خدمت بلدك جيدًا لأكثر من ثلاثين عامًا. أريد أن أتأكد من أنك تغتنم هذه اللحظة التاريخية بطريقة تترك لك إرثًا عظيمًا”.

استمر الحوار بيني وبينه على هذا النحو لعدة دقائق أخرى، مع إصرار مبارك على ضرورة بقائه في موقعه، وكرر أن الاحتجاجات ستنتهي قريبًا، وأضاف قرب نهاية المكالمة:

“أنا أعرف شعبي، إنهم أناس عاطفيون، سأتحدث معك بعد فترة، وسأخبرك أنني كنت على حق”.

يتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى