عروض وترجمات

في ذكرى إسقاط مبارك: ثورة يناير في كتاب باراك أوباما “أرض موعودة” (3-3)

هذا هو الجزء الثالث من ترجمة لفصل يخص ثورة يناير في كتاب باراك أوباما، أرض موعودة، ضمن الصفحات من ٦٣٨ إلى ٦٤٧.

للاطلاع على  الأجزء السابقة

الجزء الأول ، الجزء الثاني 

أغلقت الهاتف. للحظة، ساد صمت عميق، وكل العيون في الغرفة كانت مركزة على وجهي. لقد أعطيت مبارك أفضل نصيحة، وكنت قد عرضت عليه خطة لخروج مشرف. كنت أدرك أن أي زعيم سيحل محله قد ينتهي به الأمر ليكون أسوأ شريك للولايات المتحدة، وربما أسوأ بالنسبة للشعب المصري. والحقيقة، كان بإمكاني أن أتعايش مع أي خطة انتقال حقيقية يقدمها، حتى لو حافظت على قسم كبير من شبكة نظامه. لقد كنت واقعيًا بشكل كافٍ لأفترض أنه لولا الإصرار العنيد لهؤلاء الشباب في ميدان التحرير، لكنت عملت مع مبارك لبقية فترة رئاستي، على الرغم مما يجسده، تمامًا كما سأستمر في العمل مع بقية “النظام الاستبدادي الفاسد المتعفن”، كما كان يحلو لبِن (رودس) أن يصفه، الذي يسيطر على الحياة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

باستثناء هؤلاء الأطفال الذين كانوا في ميدان التحرير. وبسبب إصرارهم الشديد على حياة أفضل، انضم إليهم آخرون – أمهات وعمال وصانعو أحذية وسائقو سيارات أجرة. مئات الآلاف من هؤلاء الناس فقدوا خوفهم، للحظة وجيزة على الأقل، ولن يتوقفوا عن التظاهر ما لم يعيد مبارك ذلك الخوف بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: من خلال الضرب وإطلاق النار والاعتقالات والتعذيب. 

في وقت سابق من رئاستي، لم أتمكن من التأثير على الحملة الشرسة للنظام الإيراني ضد متظاهري الحركة الخضراء. قد لا أكون قادرًا على منع الصين أو روسيا من سحق المعارضين بهما، لكن نظام مبارك تلقى مليارات الدولارات من دافعي الضرائب الأمريكيين، زودناهم بالأسلحة، وتبادلنا المعلومات، وساعدنا في تدريب ضباطهم، وبالنسبة لي فإن السماح لمتلقي تلك المساعدات ــ وهو شخص نسميه حليفًا ــ بارتكاب أعمال عنف غاشمة ضد المتظاهرين السلميين، هو خطأ لم أرغب في السكوت عليه. وسوف يؤدي سماحنا بذلك إلى ضرر كبير بفكرة أمريكا، ومن شأن هذا إلحاق الكثير من الضرر بي أيضا. قلت لفريقي: “دعونا نعد بيانًا. ندعو مبارك للتنحي الآن“.

على عكس معتقدات الكثيرين في الوطن العربي، وعدد ليس بالقليل من المراسلين الأمريكيين، فإن الولايات المتحدة ليست محرك عرائس، تمسك دائماً بخيوط البلدان التي تتعامل معها. حتى الحكومات التي تعتمد على مساعداتنا العسكرية والاقتصادية تفكر أولاً وقبل كل شيء في بقائها، ولم يكن نظام مبارك استثناءً عن هذه القاعدة. بعد أن أعلنت علنًا عن اقتناعي بأن الوقت قد حان لمصر لبدء انتقال سريع إلى حكومة جديدة، ظل مبارك مُصِراً على التحدي، واختبار المدى الذي يمكن أن يذهب إليه في تخويف المحتجين. 

في اليوم التالي، بينما كان الجيش المصري يقف مكتوف الأيدي، نزلت عصابات من أنصار مبارك إلى ميدان التحرير – بعضهم على الجمال والخيول يلوحون بالسياط والهراوات، وآخرون يقذفون القنابل الحارقة والحجارة من أسطح المنازل المحيطة – وبدأوا في الاعتداء على المتظاهرين. قُتل ثلاثة متظاهرين وجُرح ستمائة. 

على مدار عدة أيام، اعتقلت السلطات أكثر من خمسين صحفيًا وناشطًا في مجال حقوق الإنسان. استمر العنف في اليوم التالي، إلى جانب مظاهرات مضادة واسعة النطاق نظمتها الحكومة. حتى أن القوات الموالية لمبارك بدأت في مضايقة المراسلين الأجانب، متهمة إياهم بالتحريض النشط للمعارضة.

كان التحدي الأكبر الذي واجهني خلال تلك الأيام العديدة المتوترة هو إبقاء الجميع في إدارتي على نفس الوتيرة. كانت الرسالة التي خرجت من البيت الأبيض واضحة. وعندما سُئل (روبرت) جيبس عما قصدته عندما قلت إن الانتقال في مصر يجب أن يبدأ “الآن” قال ببساطة: “الآن يعنى أمس”

كما نجحنا أيضًا في جعل حلفائنا الأوروبيين يصدرون بيانًا مشتركًا يعكس روح بياني. وعلى الرغم من ذلك، وفي مقابلة أجريت مع هيلاري في مؤتمر أمني في ميونخ، بدا أنها تبنت وجهة نظر أخرى حذرت فيها من مخاطر أي تحول سريع في مصر. وفى نفس المؤتمر، أعرب فرانك ويزنر ــ الذي لم يعد له دور رسمي في الإدارة، وادعى أنه يتحدث فقط كمواطن عادى ــ عن رأي مفاده أن مبارك يجب أن يظل في السلطة خلال أي فترة انتقالية. عند سماعي هذا الكلام، طلبت من كاتي الاتصال بوزيرة خارجيتي، وعندما حادثتها على الهاتف، لم أخف استيائي مما قالته. 

قلت لها: “أتفهم جيدًا المشاكل المحتملة مع أي ابتعاد عن مبارك، لكنني اتخذت قرارًا، ولا يمكنني الحصول على مجموعة من الرسائل المتناقضة في الوقت الحالي”. وقبل أن تتمكن هيلاري من الرد، أضفت: “أخبري ويزنر بأنني لا أبالي البتة DAMN بشأن الصفة التي يتحدث بها، يجب أن يهدأ”.

على الرغم من الإحباطات العرضية التي عايشتها في التعامل مع مؤسسة للأمن القومي ظلت غير مرتاحة لاحتمال اضطرارها للتعامل مع مصر بدون مبارك، فإن تلك المؤسسة نفسها – لا سيما البنتاغون ومجتمع المخابرات – ربما كان لها تأثير أكبر على النتيجة النهائية في مصر أكثر من أي تأثير كبير لأي تصريحات عقلانية عالية المستوى صادرة عن البيت الأبيض.

 فلمرة أو مرتين على مدار اليوم، كان لدينا جيتس ومولين وبانيتا وبرينان وآخرون يتواصلون بهدوء مع ضباط رفيعي المستوى في الجيش المصري والمخابرات المصرية، موضحين أن حملة القمع التي يشنها الجيش على المتظاهرين ستكون لها عواقب وخيمة على أي علاقة أمريكية مصرية مستقبلية. كان المعنى الضمني لهذا التواصل العسكري واضحًا: التعاون الأمريكي المصري، والمساعدات التي جاءت معه، لم يكن يعتمد على بقاء مبارك في السلطة، لذلك قد يرغب جنرالات مصر ورؤساء المخابرات المصرية في التفكير بعناية في الإجراءات الأفضل للحفاظ على مصالحهم المؤسسية. 

بدا أن رسالتنا قد نجحت، فبحلول مساء يوم 3 فبراير تمركزت قوات الجيش المصري لإبقاء القوات الموالية لمبارك منفصلة عن المحتجين، وتراجعت اعتقالات الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان المصريين، وبتشجيع من التغير في موقف الجيش، تدفق المزيد من المتظاهرين بسلام إلى الميدان. 

في 11 فبراير، بعد أسبوعين ونصف فقط من أول احتجاج كبير في ميدان التحرير، ظهر نائب الرئيس عمر سليمان الذي بدا عليه الإرهاق على شاشة التلفزيون المصري ليعلن أن مبارك ترك منصبه، وأن حكومة تصريف الأعمال بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ستبدأ عملية الانتخابات الجديدة.

في البيت الأبيض، شاهدنا قناة CNN وهي تبث مشاهد للحشود في ميدان التحرير وهو ينفجر احتفالاً، كان العديد من الموظفين مبتهجين. أرسلت لى سامانثا باور رسالة تقول فيها كم كانت فخورة بكونها جزءًا من الإدارة. وأثناء سيرنا في الطريق إلى بياني الصحفي للصحفيين، لم يستطع بِن (رودس) إخفاء الابتسامة عن وجهه. وقال: “إنه لأمر مدهش حقًا أن تكون جزءًا من التاريخ على هذا النحو”. وطبعت كاتي صورة وتركتها على مكتبي، تظهر مجموعة من المتظاهرين الشباب في ميدان التحرير يرفعون لافتة كتبوا عليها “نعم نستطيع” الشعار الانتخابي لحملتي الانتخابية.

شعرت بالارتياح والتفاؤل الحذر، ومع ذلك أجد نفسي أفكر أحيانًا في مبارك، الذي كان ضيفي قبل بضعة أشهر فقط في غرفة طعام العائلة القديمة. فبدلاً من الفرار من البلاد، كان الزعيم المسن قد اتخذ على ما يبدو مسكنًا له في مجمعه السكني الخاص في شرم الشيخ. تخيلته هناك يجلس في مكان فخم، وضوء خافت يلقى بظلال على وجهه، وحيدًا مع أفكاره.

كنت أعلم أنه على الرغم من كل الاحتفالات والتفاؤل الذي ملأ الأجواء، فإن الانتقال في مصر لم يكن سوى بداية صراع من أجل روح الوطن العربي، صراع ما زالت نتيجته النهائية غير محسومة أو مأمونة العواقب. تذكرت محادثة أجريتها مع محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة، مباشرة بعد أن دعوت مبارك للتنحي، وبن زايد شاب، متطور، مقرب من السعوديين، وربما أكثر القادة ذكاءً في الخليج. MBZ، كما أطلقنا عليه، لم ينتق الكلمات في وصف كيفية تلقي الأخبار في المنطقة.

أخبرني محمد بن زايد أن التصريحات الأمريكية بشأن مصر تثير قلقاً متزايداً في الخليج، متسائلاً: ماذا سيحدث إذا دعا المتظاهرون في البحرين الملك حمد إلى التنحي؟ هل ستصدر الولايات المتحدة نفس النوع من التصريحات التي كانت لدينا بشأن مصر؟ أخبرته أنني آمل أن أعمل معه ومع آخرين لتجنب الاضطرار إلى الاختيار بين الإخوان المسلمين والاشتباكات العنيفة بين الحكومات وشعوبها.

لكن بن زايد رد قائلاً: “الرسالة العامة لا تؤثر على مبارك فحسب، كما ترى، لكنها تؤثر على المنطقة”. وأشار إلى أنه إذا انهارت مصر وتولى الإخوان المسلمون مقاليد الحكم فيها، فسيسقط ثمانية قادة عرب آخرون، ولهذا السبب انتقد بياني؛ معتبراً أن “الولايات المتحدة ليست شريكاً يمكننا الاعتماد عليه على المدى الطويل”. 

قالها بصوت هادئ وبارد، وأدركت أنه كان تحذيراً أكثر من كونه طلباً للمساعدة. مهما حدث لمبارك، فإن النظام القديم لم يكن ينوي التنازل عن السلطة دون قتال. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى