عروض وترجمات

في ذكرى إسقاط مبارك: ثورة يناير في كتاب باراك أوباما “أرض موعودة” (1-3)

هذا هو الجزء الأول من ترجمة لفصل يخص ثورة يناير في كتاب باراك أوباما، أرض موعودة، ضمن الصفحات من ٦٣٨ إلى ٦٤٧.

في الشهر ذاته، وفي دولة تونس بشمال أفريقيا، أضرم بائع فاكهة مُعدم النار في نفسه خارج أحد المباني الحكومية. كان ذلك فعلاً احتجاجياً وُلد من رحم اليأس: رد فعل مواطن غاضب تجاه حكومة يدرك جيداً أنها فاسدة، ولا تبالي لاحتياجاته. وفق كل المعايير، لم يكن الرجل، البالغ من العمر ستة وعشرين عاماً، محمد البوعزيزي، ناشطاً، وسأخبرك أنني كنت على حق لم يكن معنياً بالسياسة أساساً. 

ينتمي البوعزيزي إلى جيل من الشباب التونسي نشأ في ظل اقتصاد راكد، وتحت قبضة ديكتاتور قمعي اسمه زين العابدين بن علي. وبعد أن تعرض مراراً لمضايقات من قبل مفتشي البلدية، ولم يتيسر الاستماع إلى وجهة نظره أمام القاضي، بلغ به الضيق مبلغه. ووفقاً لأحد المارة، في تلك اللحظة التي كان يضرم فيها النار في جسده، كان البوعزيزي يصرخ، لم يكن صراخه موجهاً لأحد على وجه الخصوص، ولكنه موجهاً للجميع في الوقت ذاته: “كيف تنتظرون مني أن أحصل على لقمة العيش؟”                                                                    

أشعلت مأساة بائع الفاكهة أسابيع من المظاهرات ضد الحكومة التونسية، وفي الرابع عشر من يناير عام 2011، فرَّ بن علي وأسرته إلى المملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، اندلعت احتجاجات مماثلة، كان أغلب المشاركين فيها من الشباب، في الجزائر واليمن والأردن وعمان، مثلت الشرارة الأولى لما بات يُعرف بـ”الربيع العربي” 

بينما كنت أستعد لإلقاء خطابي عن “حالة الاتحاد” في الخامس والعشرين من يناير، دار نقاشٌ بين فريقي المعاون بشأن المدى الذي يمكن أن أذهب إليه تعليقاً على الأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. مع نجاح الاحتجاجات في تونس في الإطاحة بأحد الطغاة من السلطة، تطلعت الشعوب في جميع أنحاء المنطقة وغمرها الأمل في إمكانية حدوث تغييرات أوسع. ومع ذلك، كانت الأوضاع أكثر تعقيداً، والمحصلة النهائية غير مأمونة العواقب. في النهاية، أضفت سطراً واحداً، لكنه صريح العبارة، إلى الخطاب:   

   “الليلة، لنكن واضحين: فإن الولايات المتحدة الأمريكية تقف مع الشعب التونسي، كما أنها تدعم التطلعات الديمقراطية لجميع الشعوب”. 

من وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن التطورات الأكثر أهمية كانت في مصر، حيث دعا تحالف من تنظيمات الشباب المصريين والناشطين وأحزاب المعارضة اليسارية، وأبرز الكتاب والفنانين إلى احتجاجات واسعة في عموم البلاد ضد نظام الرئيس مبارك. في اليوم ذاته حيث كان موعد خطابي عن “حالة الاتحاد”، ما يقرب من خمسين ألف من المصريين تدفقوا إلى ميدان التحرير، بوسط القاهرة، مطالبين بإنهاء حالة الطوارئ، ووضع حد لوحشية الشرطة، ورفع القيود المفروضة على الحريات السياسية.

شارك آلاف آخرون في احتجاجات مماثلة عبر البلاد. في محاولتها لتفريق الحشود، استخدمت الشرطة الهراوات ومدافع المياه، والرصاص المطاطي، والغاز المسيل للدموع الغاز، ولم تكن حكومة مبارك لتكتفي بفرض حظر رسمي على التظاهر، ولكن كانت لتحظر الفيسبوك، واليوتيوب وتويتر بهدف عرقلة قدرة المتظاهرين على التنظيم أو الاتصال مع العالم الخارج. للأيام والليالي التالية سيتحول ميدان التحرير إلى ساحة تشبه معسكر دائم، حيث تقف جحافل المصريين في تحدٍ لرئيسهم، مطالبين بـ “الخبز والحرية، والكرامة.”                                       

قلت لبِن (رودس): “لو كنت مصرياً في العشرينيات، لكنت في الخارج بين هؤلاء المتظاهرين” 

لكنى بالطبع لم أكن مصرياً في العشرينيات، بل كنت رئيس الولايات المتحدة. وبقدر ما كان هؤلاء الشباب مقنعين ومثيرين للإعجاب، كان علي أن أذكر نفسي بأنهم مع الأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة العلمانية والنقابيين وغيرهم في الخطوط الأمامية للاحتجاجات، لا يمثلون إلا جزءًا بسيطًا من المصريين. فإذا تنحى مبارك، وخلّف فراغا مفاجئا في السلطة، فلن يكون هؤلاء الأقرب لملء هذا الفراغ. لقد كانت إحدى مآسي عهد مبارك الديكتاتوري أنه أعاق تطور المؤسسات والتقاليد التي قد تساعد مصر على الانتقال إلى الديمقراطية بشكل فعال، مثل الأحزاب السياسية القوية، والقضاء المستقل، والإعلام، وتوفير رقابة محايدة على الانتخابات، وجمعيات مدنية ذات قاعدة عريضة، وخدمة مدنية فعالة، واحترام حقوق الأقليات. وبعيداً عن الجيش، الذي كان راسخاً بعمق في جميع أنحاء المجتمع المصري، ويقال إن له حصة كبيرة في قطاعات واسعة من الاقتصاد،

كان أقوى تنظيم متماسك في البلاد هو جماعة الإخوان المسلمين، وهي تنظيم إسلامي سُنّي كان هدفه الأساسي أن تحكم الشريعة الإسلامية مصر والعالم العربي كله، وبفضل تنظيمها على المستوى الشعبي “القاعدي” وتركيزها على العمل الخيري كانت تتفاخر بعدد كبير من الأعضاء، رغم كونها محظورة رسميًا. كما تبنت الجماعة المشاركة السياسية بدلاً من العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها، ولهذا ففي أي انتخابات نزيهة وحرة، سيكون المرشحون الذين تدعمهم هم الأكثر حظاً في الفوز. ومع ذلك، اعتبرت العديد من الحكومات في المنطقة جماعة الإخوان تهديدًا تخريبيًا وخطيرًا، كما أن فلسفة التنظيم الأصولية جعلته غير موثوق به كوصيّ على التعددية الديمقراطية، وربما يمثل إشكالية للعلاقات الأمريكية المصرية.

يتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى