أدب وفن

قنا ساركازم سوسيتي اللهجة الصعيدية القناوية كما يجب أن يتعلمها المخرجون والممثلون

عمر سمير

قنا ساركازم سوسيتي اللهجة الصعيدية القناوية كما يجب أن يتعلمها المخرجون

لطالما كانت الكوميكس والميمز وسابقاتها من وسائل السخرية وسيلة مجتمعية فعالة لرفع الواقع والتفاعل معه أو على الأقل التعايش مع مشكلاته وخلق مساحة مشتركة بين أفراد مجتمع ما سواء للضحك أو النقاش أو التوثيق، اتخذت هذه الوسائل طريقها إلى الانتشار الكثيف عبر أدوات مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت وسيلة قوية للتواصل بين أبناء القرية والمدينة والمحافظة بل والبلدان وبعضها، فأحيانا يجد المرء علاقته مع أبناء قريته أو حيَه أقوى على مواقع التواصل منها في الواقع، وتتوسع هذه المساحات المشتركة لتضم عشرات ومئات الآلاف من البشر وملايين القصص والحكايات تختصرها صورة أو سطور من كلمات ولها تأثيرات وتظل غير مدروسة بالشكل الكافي.

ما بين توثيق اللهجة بطريقة لطيفة والسخرية من بعض العادات والتقاليد التي تتناقض مع عاداتهم وسلو بلدهم والفخر بأخرى هي من صميم مجتمعهم تمتلئ صفحات مثل قنا ساركازم سوسيتي Qena sarcasm society بالميمز والكوميكس التي تجتذب ما يزيد قليلا عن نصف مليون متابع.

“السف” على الآخرين والذات: من انتقاد لهجات أخرى إلى “السف” على سلوكيات غير مقبولة من مجتمع الـ”نحن” تجاه الآخرين سواء كان كاتب البوست من مدينة متهكما أو راصدًا أو ناقدًا لسلوك أو لهجة أو عادة في قرية أو العكس نقد من قرية لنفس الأشياء في المدينة، فيمكن للمتصفح للصفحات أن يرى بوستات متخصصة في رصد الفروق بين المراكز والقرى المختلفة كما يمكنه أن يرى تريقة وسخرية من تظاهرات ضد الفيروسات أو رصد مستبطن بانتقاد حاد لطبيعة العلاقة بين الأم وزوجة الابن الغريبة سواء كانت من خارج العائلة أم من خارج المحافظة لا سيما لو كانت من بنات بحري.

تزخر الصفحة بآلاف الكوميكس والميمز التي تتناول مختلف جوانب الحياة القناوية بكل تفاصيلها بأمثلتها ومواقف الحياة اليومية فيها وحكي نسائها ورجالها ونميمتهم على بعضهم البعض حتى “حش البرسيم” (قطفه بالمنجل) وحصيد القمح لم يخل من ميمز وإثارة جدل كبير حوله وحول العادات المرتبطة، واختلاف عادات وأعمال المدن عن الريف ومن ثم مظاهر الحسد حتى تكون متغيرة وما هو مصدر للكدر في الريف يختلف عن المدينة التي يتبع لها هذا الريف ناهيك عن بقية القطر المصري على اتساعه وتنوعه.

هذا الكوميك يعبر عن شقاء من سيعمل في هذه الزرعة جراء الحسد والنق والنبر، وهذا الحسد مفهوم محوري ومركزي في حياة الصعيديات بشكل خاص وينقلنه إلى أبنائهن لدرجة أن الشخص قد يتخيل أن الكوكب يتآمر عليه لمنعه من الزواج أو الولد أو التعليم ويفسر مجريات حياته على هذا النحو ومحاولة الخلاص من هذا التأثير أو تقليل أثره كمفسر لمجريات الحياة تبدو انتحارية وقد يوضع صاحبها في دائرة العقوق.

لماذا يجب على السينما والدراما أن تلتقط طرف الخيط؟

رغم أن العديد من المخرجين والممثلين هم أبناء الصعيد إلا أن أغلب الأعمال الدرامية والسينمائية المصرية لم تستطع أن تقلد اللهجة الصعيدية كما هي، والعديد منها ملئ بالأخطاء الظاهرة التي يكتشفها أطفال الصعيد قبل كبارهم برغم استعمال المخرجين لمصححي لهجات فضلاً عن التقاطها في بعض التقارير الصحفية، فإن أغلبها لم يقترب من تفاصيلها بالمعني الذي يشعر الصعايدة أنهم موجودون في قلب الأعمال الدرامية وأنها تعبر عنهم فالقصص أغلبها متشابهة ومملة وتدور حول الثأر والمواريث والعنف والذكورية بصور نمطية استشراقية عن المجتمع الصعيدي تجعل أصدقاء أيا من أبناء الصعيد يتساءلون إن كان لديهم كهرباء أم لا في بعض الأحيان؟

يعتقد الكثير من الصعايدة أن آخر من حاولوا تقليد لهجتهم ببراعة هم نجوم مسلسلات مثل ذئاب الجبل والضوء الشارد بدرجة أقل ثم مؤخرا الفنان السوري جمال سليمان الذي كان الاقتراب من اللهجة  أحد أهم أدوات نفاذه لقلوب كثير من الصعايدة حيث اقترب كثيرًا من لهجتي قنا وسوهاج على اختلافهما لكن أيا من الممثلين المصريين من الوجوه الجديدة أو حتى أصحاب الأعمال الجديدة لا يعدو تمثيله أن يكون شبيهاً بمحاولة مذاكرة ليلة الامتحان، لذا انصرف اهتمام العديد من أهالي الصعيد عن الدراما المصرية وراح يبحث له عن قصص مختلفة في الدراما التركية والخليجية والسورية.

هل من قاموس لتلك اللهجة؟ بينما يتحدث البعض عن الصعيد ككتلة بشرية واحدة تجمعها اللهجة الصعيدية ويحاول آخرون وضع قواميس لتلك اللهجة فإن فروقاً كبيرة بين المحافظات، فيما يؤثر أنصار مركزية العاصمة والتمركز حولها ثقافةً وفناً أن يتعاملوا مع الريف كمجموعة بشرية واحدة بينما يدرك أبناء أي محافظتين متجاورتين وأحياناً قريتين فروقاً جوهرية في اللهجة تجعلهم يعرفون بلدان بعضهم البعض بمجرد الحديث ويصعب التخفي وراء محاولات التقليد، بينما حتى كتاب الروايات التي تتحول لأعمال درامية وسينمائية يهتمون بتحديد أن أحداثها تدور في فضاء قرية كذا بمدينة كذا في الصعيد.

كأحد أبناء الصعيد لا يمكنني الحديث عن لهجة واحدة تجمع هذا الطيف الواسع بمحافظاته المليونية الكبيرة مساحة والمتباعدة بفعل انعدام وسائل النقل العام من  بني سويف إلى أسوان بمسافات بين مدينتين داخل المحافظة الواحدة تتباعد لتزيد عن المسافة بين القاهرة والأسكندرية أحيانا كما أن اللفظ الواحد في لهجات أخرى قد يتخذ أكثر من معنى في لهجة محافظة واحدة بحسب الحال كما يوضح ذلك فيديو تبسيطي متداول لأحد أبناء أسوان وهو ما يصبح معه اتخاذ قاموس أمر معقد ومن قبيل مشكلة الواقع وزيادته تعقيداً ليس أكثر، كما أن القواميس تكون للغات وليس اللهجات التي يتوارثها الناس شفاهة كما يتوارثون عاداتهم وتقاليدهم.

في التحليل الأخير فإن كاتب هذا الموضوع ينتصر للاتجاه القائل بأن اللغة واللهجات هي ما يتحدثه الناس لا ما يكتبونه لأن الكلمات المكتوبة مهما شكلت صماء وإذا ما كان ثمة محاولات لتوثيق هذه اللهجة تبقى النكتة والكوميكس وتسجيل الاسكتشات من قبل أبناء هذه اللهجات أفضل الوسائل، ويحتاج الفن لدمج أبناء الريف بشكل أكبر فيه دون إحداث انقطاع مركزي بينهم وبين أصولهم بمجرد الاعتماد على تنجيم شخص أو مجموعة محدودة من الأشخاص وتسكينهم في المركز واستعمالهم في كافة الأعمال الدرامية، وفي مواقع وصفحات التواصل مئات المواهب الجيدة يمكنها بتدريب بسيط أن تؤدي أدواراً تدور أحداثها في مناطقها بقدر أقل من الأخطاء وباقتراب أكثر من الجمهور.

 وثمة جمهور عريض في الصعيد كان يتابع الدراما لسنوات لأنها تعبر عنه وقليل من المخرجين من التقط نهم هذا المجتمع غير المفهوم بالكلية لمحاولات المخرجين والمؤلفين تمثيل حكاياتهم وهمومهم وشكاياتهم التي لم يستطيعوا توصيلها لارتباطها بعادات وتقاليد أو لتعقيدات السلطة وتكريسها لمساحة العيب والممنوع.

ولا يتخيل كاتب هذا الموضوع أن أي ممثل أو مخرج موهوب يريد تقليد لهجة قنا مثلاً دون الولوج لصفحة مثل قنا ساركازم سوسيتي بل ومذاكرتها جيدًا، فهي تعبر عن خليط اللهجات والعادات القناوية، هذه الصفحة يمكن لها أن تفرخ عشرات الاسكتشات الفنية والبرامج الساخرة ومئات المواقف الحقيقية في أي مسلسل أو فيلم سواء كانت جادة أم ساخرة لتضفي سحرًا على أي عمل فني يتناول هذا المجتمع، الذي لم ينقطع شبابه عن تراثهم رغم مغريات تمدين الريف وترييف المدينة التي تنتجها محاولات رسملة كل شيء.

اظهر المزيد

Omar Samir

باحث في العلوم السياسية، حاصل على ماجستير في السياسة الخارجية والاقتصاد السياسي الدولي للثورة المصرية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة 2018، يعمل على قضايا الاقتصاد السياسي الدولي والسياسة الخارجية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد البديل والمؤسسات المالية الدولية والإصلاح المؤسسي، له العديد من الدراسات وأوراق التوصية المنشورة حول هذه الموضوعات ويكتب مقالات لبعض المواقع الإليكترونية مثل البديل ومدى مصر وبالأحمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى