سياسة

ماذا قدمت السلطات المصرية من أجل مواجهة فيروس كورونا المستجد كوفيد 19

شروق الحريري

يواجه العالم منذ أوائل 2020 وباء كورونا المستجد كوفيد 19، بدأ الانتشار في ديسمبر 2019 في يوهان الصينية، وانتقل الفيروس إلى عشرات الدول الأخرى، وفي أواخر يناير أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ بسبب فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، وفي مارس أعلنت المنظمة أن فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” أصبح يمثل وباء أو جائحة عالمية. 

 تنوعت أساليب الدول في مواجهة فيرس كورونا فهناك من استخدم استراتيجية مناعة القطيع أو المناعة بالعدوى والتي اتبعته كلا بريطانيا والسويد في بداية الأزمة، ويعني هنا بمناعة القطيع الاعتماد على المناعة الطبيعية للمجتمع في مواجهة الوباء، وتستند هذه الاستراتيجية إلى ممارسة الحياة بشكل طبيعي، بحيث يصاب معظم أفراد المجتمع بالفيروس وبالتالي تتعرف أجهزتهم المناعية على الفيروس، ومن ثم تحاربه إذا ما حاول مهاجمتها مجددا. ولكن سرعان ما انهارت هذه الاستراتيجية مع سرعة انتشار العدوى، ولجات هذه الدول إلى الاستراتيجية الأمثل حتى الآن والتي اتبعتها الكثير من الدول ومن بينهم مصر وهو العزل الصحي. وعليه يحاول هذا التقرير رصد سياسة الحكومة المصرية للحد من انتشار فيروس كورونا كوفيد 19. 

تجهيز مستشفيات الحجر الصحي: 

في يناير 2020 قامت وزيرة الصحة بزيارتين متتابعتين لمستشفى النجيلة بمطروح، ففي الزيارة الأولى المفاجأة في 29 من يناير دون أي تجهيزات لم تعرب الدكتور هالة عن أي قرارات لتحويل المستشفى إلى معسكر لحجر العائدين من الخارج أو مصابين فيروس كورونا، وفي الزيارة الثانية في 31 من يناير جاءت للأشراف على إخلاء المستشفى وتحويلها لحجر صحي لأية إصابات محتملة أو مشتبه فيها من بين العائدين من دولة الصين أو أية دول أخرى وتخصيص بعض الفنادق لإقامة العائدين.

ومع الإجراءات الاحترازية أعلنت وزارة الصحة المصرية عن تجهيز 5 مستشفيات أخرى للعزل الصحي على مستوى الجمهورية وهم مستشفى بلطيم المركزي بكفر الشيخ، ومستشفى كفر الزيات العام بالغربية، ومستشفى تمى الامديد المركزي بالسمبلاوين بالدقهلية، ومستشفى ملوي العام بالمنيا، وأخيرا مستشفى قها المركزى بالقليوبية. 

إجلاء المصريين العالقين في الخارج:

فور انتشار الفيروس في مدينة ووهان الصينية ومع إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ، ومع تجهيز وزارة الصحة لمستشفى نجيلة بمطروح كمستشفى حجر صحي؛ قامت السلطات المصرية بإرسال طائرة خاصة تتسع 297 راكباً لنقل المصريين الراغبين في العودة إلى أراضي الوطن في 2 من فبراير 2020، وفور عودتهم إلى الأراضي المصرية تم وضعهم داخل منطقة الحجر الصحي لمدة 14 يوم.

وفور انتشار فيروس كورونا في أوروبا، وإصدار القرار المصري الخاص بتعليق الرحلات قام وزير الطيران المدني قبل تنفيذ القرار بيومين بتجهيز طائرة والسفر بها لإعادة المصريين العالقين في العاصمة البريطانية لندن والرغبين بالعودة إلى الوطن. كما قامت شركة مصر للطيران بالتنسيق مع السلطات الأمريكية لعودة المصريين الراغبين في العودة إلى الوطن بعد التواصل مع السفارة المصرية.

إجراءات جيدة لتقليل التجمعات:

عملت السلطات المصرية منذ البداية على تقليل التجمعات البشرية، وجاء هذا تنفيذا لعدة إجراءات من ضمنها الإجراءات الخاصة بالتعليم، تعليق الدراسة بجميع مراحلها، واستبدال امتحانات نهاية العام حتى الصف الثاني الإعدادي بأبحاث علمية بمساعدة مدرسين كل مادة، وقامت الوزارة برفع المناهج التعليمية على موقع الإلكتروني خاص بالوزارة ليساعد الطلاب على تحصيل المادة العلمية، وبالنسبة للتعليم العالي فبدأت دكاترة الجامعات في المحاضرة أونلاين.

كما قام وزير التعليم العالي في 18 من أبريل باتخاذ بعض القرارات الخاصة بامتحانات الفصل الدراسي الثاني ومنها استمرار العمل المناهج الدراسية اونلاين حتي 30 أبريل، وإلغاء الامتحانات واستبدالها أما برسالة بحثية مقبولة أو عقد اختبارات إلكترونية وينطبق ذلك على فرق النقل ويحسب التقدير وفقا للتقدير التراكمي للسنوات السابقة وهذا وفق ما تحدده كل جامعة، أما طلاب سنة التخرج (السنة النهائية) فيتم تعليق الامتحانات المقررة لهذا الفصل لحين عودة الدراسة.

أما فيما يتعلق بالمساجد والمناسبات الدينية، قامت وزارة الأوقاف بتعليق العمل بجميع دور المناسبات التابعة للوزارة وحظر إقامة العزاء أو عقد القران بالمساجد لحين إشعار آخر، واقتصار العمل بالمساجد على صلاة الجمعة على أن تكون بما لا يزيد على 15 دقيقة في وقت الخطبة، وفيما بعد قامت الوزارة بتعليق العمل في المساجد واقتصارها على رفع الآذان فقط. 

كما قام مجلس الوزراء في يوم 25 مارس 2020 بتطبيق حظر التجول من الساعة السابعة مساء وحتى السادسة صباحا لمدة 15 يوما، وبعد انتهاء هذه المدة قام مجلس الوزراء بتمديد المدة ولمن من الثامنة مساء وحتى السادسة صباحا. هذا إلى جانب بإعطاء كل الأمهات من لديهم أبناء تحت 12 عام أجازه، وتخفيف التواجد في أماكن العمل بالتناوب بين الأفراد. 

تدشين بعض المبادرات من الوزارات المختلفة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني لحماية العمالة اليومية والتي تأثرت بشكل كبير بقرارات الدولة لمواجهة فيروس كورونا.

محاولات للتنسيق بين الجهات المختلفة:

استخدمت الدولة المصرية الجيش والشرطة لتقديم الدعم للجهات الطبية والأجهزة التنفيذية الأخرى من أجل منع تفشي فيروس كورونا، قامت القوات المسلحة المصرية بالمساعدة في تعقيم الشوارع والأماكن العامة والمصالح الحكومية، كما قامت القوات المسلحة متمثلة في رئيس الأركان محمد فريد بتفقد هيئة إمداد وتموين القوات المسلحة في حالة الحاجة إلى مخزون من السلع حيث تحتفظ إدارة التعيينات باحتياطيات عاجلة من المواد الغذائية. والذي يكفي الاحتياطي الواحد لقوة 20 ألف فرد، وهي جاهزة للدفع في أي من الاتجاهات الاستراتيجية حال تكليف القوات المسلحة بأي مهام.

وقامت إدارتي الخدمات الطبية والبيطرية بالتثقيف الصحي والتدريب على إجراءات الشؤون الصحية والوقائية على كافة المستويات في كافة محافظات الجمهورية. وبتم تطوير عربات الإنقاذ والإطفاء بتزويدها بمحاليل مطهرة لاستخدامها في أعمال تطهير وتعقيم الأماكن المفتوحة، وذلك باستغلال 24 عربة إطفاء بطاقة 12 طن للعربة في أنحاء الدولة.

وفي أعقاب فرض حظر التجول قامت كل من قوات الجيش والشرطة المصرية بالمساعدة في فرض الأمن والنظام ومراقبة فرض الحظر. كما تقوم قوات الشرطة وفقا ما نشرته بعض الفيديوهات على مواصل التواصل الاجتماعي بسير ليلا وتشغيل أغاني وطنية لزيادة الحس الوطني لدى المواطنين. 

على الرغم من جهود وزارة الصحة بالتعاون مع بعض الجهات الأخرى لتجهيز الكثير من المستشفيات إلا أن من الملاحظ أن مع انتشار المرض ومنذ الأسبوع الخامس في مصر أن الكثير من المستشفيات خرجت من الخدمة كمستشفى الأورام والتى خرجت بعد اصابة 15 فرد من الطاقم الطبي. ويطرح هنا تساؤل حول حقيقة الوضع إذا انتشر الفيروس أكثر من ذلك كما هو الحال في إيطاليا أو الولايات المتحدة الأمريكية، فهل يستطيع القطاع الطبي التصدي لهذا الفيروس في ظل الوضع الحالي والامكانيات الحالية.

ونشير هنا إلى نسب الوفيات والتعافي في مصر بالمقارنة مع بعض الدول الأخرى ومع النسب العالمية لتوضيح الوضع الحالي للأزمة التي يعاني منها القطاع الطبي في مصر، والتي يوضحها الرسم التالى.

فوفقا للتقارير اليومية لوزارة الصحة المصرية وحتى اليوم، فإن حالات الوفاة وصلت إلى 224 حالة وفاة من 3032 حالة إصابة فأن نسبة الوفاة حاولي 7.38% وهي نسبة كبيرة بالمقارنة بدول أخرى، فعلى سبيل المثال جاءت نسبة الوفيات في أعلى دول الإصابة “الولايات المتحدة الأمريكية” 5.25% بعدد 38233 مواطن من أصل 727976 مصاب، كما تعد نسبة كبيرة بالنسبة للمعدلات العالمية التي وصلت إلى 8.53%. وهذا الارتفاع في معدلات الوفاء يجعلنا نطرح تساؤل عن إمكانية النظام الصحي للتصدي لفيروس كورونا مع التوقعات بسرعة انتشار الفيروس بحلول يونيو.

وبالرغم من أن مؤشرات مصر لا تزال جيدة وأقل من متوسط نسب الوفيات عالميا إلا أن معدلات خروج المستشفيات من الخدمة جراء انتشار العدوى بين الأطقم الطبية لا تزال مقلقة جدا وتحتاج لتكثيف تصنيع المستلزمات الطبية الضرورية وتوزيعها على المستشفيات بالسرعة القصوى.

خاتمة:

على الرغم من السياسات الغير متوقعة للسلطات المصرية في مواجهة فيروس كورونا والتي استطاعت حتى الأن أن تمنع انتشار فيروس كورونا بشكل كبير كما هو في الكثير من الدول الأخرى إلا أن هناك بعض الملاحظات الخاصة بهذه السياسات، ومن ضمنها:

  1. عدم قيام السلطات باتخاذ إجراءات قوية لمنع تفشي الفيروس في السجون المصرية، على الرغم من تحذير العديد من المنظمات الدولية والمحلية بالوضع الخاص بالمستشفيات في قطاع السجون والتي صدرت بشأنها العديد من البيانات من قبل المنظمات الحقوقية منذ بداية عام 2020. 
  2. يلاحظ اهتمام السلطات المصرية بالمناطق الحضرية وإهمال العديد من المدن والقرى في إقليم الدولة، فأغلب المبادرات والإجراءات الاحترازية تقام في المدن الحضرية كالإسكندرية والقاهرة ومدن القناة، وتعتمد القري والمحافظات النائية على جهود ذاتية وبعض جهود المجتمع المدني.
  3. قلة إجراء التحاليل الخاصة بفيروس كورونا في مصر pcr حتى الآن، فبحسب جريدة اليوم السابع أجريت وزارة الصحة حتى يوم 17 أبريل 2020 إلى 55 ألف تحليل، وتعد نسبة هذه التحليل قليلة بالنسبة لعدد السكان الكلي  0.54%.  وذلك على الرغم من تشديد منظمة الصحة العالمية التوسع في إجراء التحاليل وإشارتها إلى إمكانية مصر القيام ب 200  ألف تحليل، وتضع هذه النسب تساؤلات حول حقيقة الوضع في مصر من حيث انتشار الفيروس ومصدقية التقارير اليومي لوزارة الصحة.
  4. على الرغم من أن الدولة فرضت حزمة من الإجراءات على الشركات من أجل تقليل التكدس والتزاحم، إلا أن الدولة لم تكفل حماية العمالة في الشركات الخاصة، فقامت العديد من الشركات بتسريح العمالة بسبب عدم حاجة الشغل لهم في ذلك الوقت.  
  5. يمكن لمصر الاستفادة من قدرات الطب الوقائي الجيدة جدا سواء في تعزيز وقاية الأطباء أو تكثيف عمليات التوعية المجتمعية بفتح مساحات أكبر للنقاش مع المجتمع المدني وتصدير القامات الطبية المتميزة إعلاميا وصحفيا وهم كثر.

اظهر المزيد

Sherouq Elharery

باحثة علوم سياسية، حاصلة على ماجستير علوم سياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، تعمل على قضايا المجتمع المدني والحركات الجهادية والتحول الديمقراطي، لها بعض الأوراق المنشورة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى