أدب وفنمختارات

ماركيز ومحفوظ وألبير كامو: إبداع الأدب العالمي في زمن الأوبئة

أسماء رمضان *

على مدار التاريخ شهد العالم الكثير من الأوبئة والأمراض المستشرية التي تمكنت من القضاء على أعداد هائلة من البشر واستطاعت في الوقت نفسه تخطي الحدود السياسية والجغرافية مخلفة وراءها الكثير من المآسي التي لازالت محفوظة في الذاكرة العالمية؛ فالطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر قضى على ثلث سكان القارة والإنفلونزا الإسبانية قتلت حوالي 50 مليون شخص بالقرن العشرين.

وفي أوقات أزمة اجتياح الاوبئة استطاع الأدب العالمي نقل تجربة الألم بكل ما حملته من مرارة كما صور بكل دقة الرعب الذي انتشر بين الناس والكآبة التي علت وجوههم والذعر الذي ارتسم على ملامحهم ورائحة الموت التي كانت تحلق في المكان وتلال الجثث التي ملأت الأركان، ولكن الأدب لم يكتف بذلك الأمر ولم يرصد فقط شبح الموت الذي هز الجميع بعنف ولكنه أيضاً كان يقاوم وحشية المرض لكي ينقل للأجيال القادمة أن الألم لا يدوم مهما طالت مدته وأن الحياة دائماً تنتصر في النهاية.

الحب في زمن الكوليرا للأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز

“إن هذا الحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتد كثافة كلما اقترب من الموت”  

في رواية الأيام التي كتبها طه حسين عميد الأدب العربي تحدث في الكثير من فصول روايته عن تفشي وباء الكوليرا في قريته؛ صور لنا بدقة حالة الهلع والخوف التي أصابت الجميع كما حكى لنا بالتفصيل عن مئات الموتى وآلاف المصابين وعن أخيه الأوسط ذو الثمانية عشر عاماً الذي اختطفه وباء الكوليرا بعد أن كان أمل العائلة وبهجتها.

وخلافاً لرؤية طه حسين لوباء الكوليرا التي طغى عليها الموت والخوف اختار الأديب الكبير غابرييل غارسيا ماركيز شكلاً آخر للحديث عن الكوليرا ففي روايته يحضر وباء الكوليرا بشكل غير مأساوي إذ تحكي الرواية بالأساس عن قصة حب بين بدأت منذ المراهقة بين فلورينتيو وفرمينا واستمرت هذه القصة لمدة خمسين عام فعلى الرغم من زواج فرمينا من شخص آخر إلا أن بطل الرواية لم يتخل عن حبه لها وانتظر حتى مات زوجها كي يجتمعوا معاً في السبعين من عمرهم، وفي نهاية الرواية يذهب الحبيبان في رحلة بحرية وحتى يتمكنوا من قضاء الوقت معاً يقرر البطل رفع العلم الأصفر على السفينة وهو العلم الذي يشير لإصابة أحد أفراد السفينة بوباء الكوليرا وبهذا سيُفرض الحجر الصحي على السفينة ولن تتوقف عن الإبحار إلا للتزود بالوقود.

في هذه الرواية تأتي الكوليرا في خلفية الأحداث وبأبشع صورة ممكنة حيث الجثث ملقاة في الشوارع  ولا يستطيع أحد من سكان مدينة البندقية أن يقترب منها إذ كان الموت يترصدهم في الشوارع مثل الكماشة، كما كانت رائحة الموت تخنق جميع حواس الإنسان بأبشع صورة ممكنة، ولكن على الرغم من كل ذلك يخبرنا ماركيز بأن الأزمنة مهما اختلفت بتفاصيلها ومهما انتشرت الأمراض وخيم الموت على الأرجاء تبقى دائماً الحاجة إلى الحب بل وتزيد تلك الحاجة حين يقترب الموت أكثر وأكثر.

رواية الحرافيش لنجيب محفوظ

“تفاقم الأمر واستفحل. دبت في ممر القرافة حياة جديدة…يسير فيه النعش وراء النعش… يكتظ بالمشيعين. وأحيانا تتابع النعوش كالطابور. في كل بيت نواح. بين ساعة وأخرى يعلن عن ميت جديد… لا يفرق هذا الموت الكاسح بين بين غني وفقير، قوي وضعيف، امرأة ورجل، عجوز وطفل. إنه يطارد الخلق بهراوة الفناء. وترامت أخبار مماثلة من الحارات المجاورة فاستحكم الحصار ولهجت أصوات معولة والأوراد والأدعية والاستغاثة بأولياء الله الصالحين. 

وحده نجيب محفوظ الذي استطاع ببراعة كبيرة أن يرسم بكلماته أدق صورة ممكنة للمجتمع المصري  إذ كان منغمساً بشدة في أجواء الحارة المصرية بمقاهيها وشخوصها وبيوتها وأبوابها وقدمت رواياته نموذجاً فريداً لأدب المدينة بكل ما يحدث لها وما يجري داخلها، وفي ملحمة الحرافيش يحكي لنا محفوظ عشر قصص تبدأ من عاشور الناجي الذي تمكن بمعجزة إلهية من تفادى وباء الطاعون.

بعد نجاة عاشور من الطاعون ينظر إليه الناس على أنه ولياً أكرمه الله بالنجاة ويصبح عاشور فتوة يحكم بالعدل في الحارة ولكن مع مرور الزمن ورحيل عاشور الناجي يبدأ عصر الصراع على الفتوة بين أبنائه وهنا ينقل لنا محفوظ ببراعة كيفية تحول الإنسان وما يمكن أن يصيبه من أجل الوصول لسدة السلطة المتجسدة في وظيفة الفتوة.

وهكذا يقدم لنا محفوظ في روايته صورة كاملة لفلسفة الحكم ودور الشعوب وتعاقب الحكام إذ تتشعب أحداث وشخصيات الحرافيش داخل ذهن القارئ بشكل ملحمي، أما وباء الطاعون الذي استشرى في المجتمع المصري أول الرواية فقد وظفه محفوظ لغايتين؛ أولهما ليحكي عن حقيقة هشاشة الإنسان والغاية الثانية لينهي جيل من أجل بداية جيل آخر يستمر في تكرار نفس الأخطاء وتتوالي الأحداث، وعليه فما فعله محفوظ في الحرافيش هو توظيف الواقعة التاريخية بانتشار مرض الطاعون في مصر خلال القرن الثامن عشر توظيفاً فلسفياً وأدبيا.

رواية الطاعون للكاتب الفرنسي ألبير كامو

“إن كل إنسان يحمل فى جلده الطاعون لأنه ليس ثمة فى الدنيا من هو معصوم منه وأن على الإنسان أن يراقب نفسه من غير انقطاع حتى لايتنفس ذات لحظة من لحظات الشرود في وجه إنسان آخر فيلصق به العدوى فالطبيعى هو الجرثومة أما الباقى ، الصحة والكرمة و الصفاء إن شئت فهي نتيجة لإرادة ينبغى ألا تقف قط” 

للحظات قليلة، تخيل معي أنك تعيش في مدينة وفجأة ينتشر فيها وباء الطاعون وعليه لا يمكنك أبداً مغادرة تلك المدينة كما لا يمكنك في الوقت ذاته تفادي الوباء، ماذا ستفعل؟ هل ستعتزل في المنزل أم ستذهب للمسجد أو الكنيسة؟ هل ستنتظر الموت أم ستقرر مواجهته وتساعد أولئك الذين أُصيبوا بالوباء؟

داخل هذه الأجواء تحديداً يقحمنا كامو في روايته إذ تبدأ الأحداث بوصف مشاهد موت الفئران في الشوارع والحدائق والأبنية ثم تتسارع وتيرة الأحداث بشكل مفاجئ وصولاً إلى إعلان مدينة وهران الجزائرية مدينة مغلقة تماماً وذلك منعاً لانتشار مرض الطاعون خارج أسوار المدينة؛ بين طيات الرواية يحكي لنا كامو كيف تحولت المدينة سجن كبير طارحاً فكرة الحرية إذ تحول السكان دون أي ذنب إلى معتقلين لا يمكنهم التواصل مع من في الخارج بعد قطع جميع الاتصالات في المدينة.

يروي لنا كامو بعبقريته الفلسفية ورؤيته العبثية كيف تحول سكان المدينة إلى أشباح متحركة ينتظرون موتهم بشكل سريع كما يحكي لنا أيضاً عن الطبيب بيرنارد ريو الذي سخر حياته من أجل علاج مرضى الطاعون فهو الشخص الذي اكتشف انتشار المرض في المدينة وهو الذي عالج المئات من المصابين به حيث تمكن من تحدي الطاعون ولذلك لم يقتله الطاعون ولكن عوضاً عن ذلك هشمه نفسياً وأضعفه معنويا وقضى عليه ولكن تركه على قيد الحياة، فبعد أن فرح الجميع في نهاية الرواية بانتهاء الوباء وفتح أبواب المدينة كان ريو هو الوحيد الذي لم يتمكن من الفرح إذ راودته بعض الأفكار بأن الطاعون يختبئ في الثياب وداخل الكتب القديمة وسيعود لا محالة مرة أخرى ليقضي على البشرية.

في النهاية وكما يقول الدكتور حسن البنا عز الدين أستاذ الأدب العربي بجامعة الزقازيق المصرية فإن الأعمال الأدبية التي تناولت آثار انتشار الأوبئة عادة ما تعتبر المكان هو البطل الرئيسي للرواية وغالباً ماتدور أحداثها في المدينة، كما تركز تلك الروايات على رصد تأثير الوباء على علاقات الشخصيات الروائية بالمكان؛ فعلى سبيل المثال حين يتحدث الكاتب عن وباء الطاعون عادة ما يعقب ذلك إعادة تشكيل بنية المجتمع الروائي لأن المجتمع القديم ينهار كلية، ويضيف عز الدين أننا يجب أن نأخذ في الاعتبار أم مهمة الأدب لا تتوقف عن تسجيل وتدوين ما حدث في الواقع ولكنها تستلهم أحداث ذلك الواقع للبناء عليه.

*كاتبة ومدونة مصرية، تكتب حول الأدب والفن والسياسة لعدة مواقع عربية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى