Uncategorized
أخر الأخبار

هل هناك علاقة ما بين الأخلاق وعلم الاقتصاد؟ – فكر

حساني شحات

قد تبدو جملة العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد متناقضة، لما توحيه كلمة الأخلاق من اهتمام بالجانب الروحي والمثالي، وما تنم عنه كلمة الاقتصاد من التعامل مع المادة وتوفير السلع والركض من أجل المنافسة وتحقيق الربح وتراكم الثروة، فلا تهتم الرأسمالية المعاصرة وهياكلها الاقتصادية العملاقة سوى بالجانب المادي فقط، ففي عالمنا المعاصر هناك محاولة لعزل الاقتصاد كعلم بحت لا تحكمه أية معايير أو أحكام أخلاقية، وذهب جيفونز إلى القول في كتابه “نظرية الاقتصاد السياسي”، “إن علم الاقتصاد، حتى يكون علمًا حقًا، يجب أن يكون علمًا رياضيًا” وهذا يعني أنه لا مكان للقيم الأخلاقية في العلم الرياضي.

بيد أن الأخلاق جزء لا يتجزأ من علم الاقتصاد، فهو علم اجتماعي يسعى لتحقيق حاجات الأفراد، فكان لزامًا أن يكون الاهتمام بالجانب الأخلاقي والاعتبارات الإنسانية محل اهتمام علماء الاقتصاد، في معالجة البطالة واعتبارات توزيع الدخل والتخفيف من كاهل الأسر الفقيرة وقضايا التلوث المناخي والأزمات المالية، لا يمكن أن تتم في ظل التعامل مع الاقتصاد باعتباره مجموعة من القوانين الرياضية والاحصائية والنماذج القياسية دون أية اعتبارات أو قيم أخلاقية واجتماعية.

اهتم الكثير من المفكرين بأهمية الأخلاق في الاقتصاد، وكان أرسطو من أوائل المفكرين الذين تناولوا قضية الأخلاق. يعد أرسطو أول القدماء الذين قدموا ما يمكن تسميته بـ “بذور نظرية اقتصادية” تقوم على تحليل الظواهر والمشكلات، وقد قدم أرسطو ثلاثة كتب في الأخلاق أحدهما علم الأخلاق الكبير، وثانيها علم الأخلاق إلى أويديم، وثالثها علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ولكنه تناول عددًا من القضايا الاقتصادية من جانب أخلاقي مثل إدانته للفائدة والاحتكار وتراكم الثروة وإنتاج السلع للرغبات الجامحة، وقد تأثر ويكستيد بكتابات أرسطو وقدم مفهوم “الفطرة السليمة Common sense” ويرى أن علم الاقتصاد علم أخلاقي يبدأ من تحليل سلوك الفرد بكل تعقيداته.

وبناء على ما تقدم سنقوم، بالتعرف على الجانب الأخلاقي في الفكر الاقتصادي لأرسطو، والتعرف على أهم القضايا التي أثيرت في هذا الشأن، مع محاولة تتبع قضية الأخلاق بقليل من التفصيل في إطار الفكر الإقتصادي الإسلامي والفكر التجاري والفكر الرأسمالي الحر، والفكر الكينزي، وهل المشكلات الأخلاقية والعالمية التي تضرب بالنظام الاقتصادي العالمي المهيمن ستفضي إلى انهياره؟

أولاً: – الأخلاق والاقتصاد في فكر كلا من أرسطو ووكستيد.

أفرد أرسطو جانبًا هامًا من فلسفته وكتاباته عن الأخلاق، وكان أرسطو معتدلًا حتى في معيشته، فلم يخرج في معيشته عن حدود أهل طبقته إلا في شيءٍ واحدٍ وهو التزام الاعتدال في كل شيء، فقد كان يلبس أحسن الملابس ولكن مع الاعتدال، وينفق من ماله على العلم وعلى نفسه وذوي قرابته وخدمة وأصدقائه وعلى الفقراء ولكن في حدود السخاء الذي قرره. (طاليس، 1924، ص 37)

وقد انعكس اهتمام أرسطو بالأخلاق على فكره الاقتصادي، إذ تناول أخلاقيات التبادل والسعر العادل، ويرى أن التربح عن طريق مبادلة السلع بالنقود غير أخلاقي وغير مقبول، إذ فرق أرسطو بين إنتاج السلع لإشباع الحاجات وإنتاجها لرغبات مفرطة، وأن المبادلة عن طريق المقايضة تعكس إنتاج السلع الأساسية لإشباع الحاجات الرئيسية، بينما المبادلة النقدية للسلع تعكس إنتاج سلع من أجل الرغبات المفرطة وهذا مناف للأخلاق، إذ يرى الثروة أداة وليست هدفاً في ذاتها وإنما لتحقيق أشياء أخرى جيدة، وأن تكوين الثروات غير مقبول وغير أخلاقي، (سليمان، ص11-21).

وانطلاقًا من الجانب الأخلاقي، وأن نظرة أرسطو للنقود هي وسيلة للمبادلة، أدان أرسطو بقوة الحصول على فائدة “إن أسوأ شيء في كسب النقود وأبغضه هو الربا، لأن النقود قصد بها أن تستعمل في التبادل لا أن تزداد عن طريق الفائدة” (جالبرت، 2000، ص37). كما أدان أرسطو الاحتكار لأنه ينافي فكرة السعر العادل وأن السعر الذي يتحدد في ظل الاحتكار غير عادل، والسعر العادل، يعني التكافؤ في المبادلة بين ما يحصل عليه الشخص وبين ما يدفعه كمقابل (سليمان، ص11-21)، وهناك تشابه إلى حد كبير بين فكر أرسطو وويكستيد يمكن النظر إليه كما يلي:

  • الاقتصاد علم أخلاقي:

خلص “كرسبو” إلى أن أرسطو في كتاباته الاقتصادية قد توصل إلى نظرية القيمة. وأن الاقتصاد بالنسبة لأرسطو، نشاط أخلاقي وعلم اجتماعي، وهذا يقع في قلب تحليل ويكسيتد حول الحس العام/ الفطرة السليمة حول الحقائق التي تحكم قرارات الأفراد.

فقد تأثر يكستيد “Wicksteed” بأفكار أرسطو، وقدم مفهوم الاقتصاد كنشاط أخلاقي، وهو ذاك المفهوم الذي اشتقه من أرسطو، واستندت منهجيته الاقتصادية على مفهومه الخاص عن “الفطرة السليمة Common Sense”، والتي قدمت حجة معاصرة للاقتصاد كعلم أخلاقي قائم على تجارب الأفراد اليومية بكل تعقيداتهم وفروقهم النفسية.

وكان لوكستيد رأي عال في شخصيات الأفراد، واعتقد أن الواقع المادي يتفاعل مع الواقع الروحي، وأن الأحكام القيمية كانت جزءاً لا يتجزأ من التحليل الاقتصادي لأنها كانت جزء من أي تحليل آخر من مجالات النشاط البشري، ويجب أن يبدأ علم الاقتصاد من تحليل اختيارات الفرد وسلوكه بكل معتقداته، وهناك تشابه في عدد من الأفكار بين أرسطو وويكستيد كما يلي: (Comim, 2004, pp 475-495).

  • الحقائق وقرارات الأفراد:

هناك الكثير من أوجه الشبه بين نهج أرسطو للأخلاق والاقتصاد وبين نهج ويكستيد، في كتابه “الفطرة السليمة” على سبيل المثال، جادل أرسطو بأن سلوك الأفراد يبدأ من المعرفة المألوفة لنا لأن ” الحقائق هي نقطة البداية” لأي بحث، وهذا نفس ما ذهب إليه ويكستيد بقوله “إن البداية هي نصف الكل”، ويرى ويكستيد أن ضرورة أن يبدأ علم الاقتصاد من تحليل اختيارات الفرد وسلوكه بكل معتقداته.

  • الثروة كأداة وليست غاية:

نظر أرسطو للثروة على أنها أداة، وجادل بأن الثروة “من الواضح أنها ليست الخير الذي نسعى إليه، لأنها مجرد شيء مفيد وصالح لتحقيق شيء أخر”، وقال “إن حياة كسب الأموال حياة نعيشها مرغمين، والثروة بالطبع ليست هي القيمة التي نسعى إلى تحقيقها، فالأموال مفيدة فحسب والغرض منها تحقيق شيء آخر” (تايلور، 2014، ص 34-38) إذ يرى أرسطو أن تراكم الثروة شيء غير أخلاقي. يعد النظر إلى الثروة كأداة مهمة جدًا بالنسبة إلى حجة ويكستيد حول “العلاقات الاقتصادية والإيثار” وهي جزء جوهري من وجهة نظر أرسطو القائلة بأن العقل العملي بدون التفوق الأخلاقي غير ممكن، فالاختيار أصل الفعل لدى أرسطو “فلا يوجد فكر بدون أخلاق ولا يوجد عمل جيد بدون المزج بين فكر ناضج وشخصية أخلاقية”.

  • مبدأ الوسطية:

إن التشابه الأبرز بين أرسطو وويكستيد يتمثل في مبدأ أرسطو للوسطية، وفي نهج ويكستيد للمنفعة الحدية Marginal Utility. إذ أن مبدأ الوسطية وفقا لأرسطو يرتكز على الاختيار، وأن الاختيار الأفضل هو ذلك الاختيار الذي يتجنب النقص أو الإفراط. إن التميزExcellence  كما يقول أرسطو هو نوع من الوسط، أو الاعتدال، ومن هذا المنظور فإن الفائض أو النقص هما الرذائل والوسط هو الفضيلة، وهكذا فإنه من الحكمة العملية على الرجل أن يختار من بين البدائل ما يحقق التوازن والانسجام، وهذه هي الفضيلة.

استدرك ويكستيد أن ليس كل الرجال “حكماء” مما يعني أن مبدأ الوسطية هو مبدأ معياري، مرتبط “بالفضيلة الاقتصادية”، ومن هذا المنطلق دافع ويكستيد عن مبدأ الحدية Marginality، كأداة معيارية للتمييز في الاختيار، وآمن ويكستيد بأن الجهد البشري يخضع باستمرار لسيطرة الإرادة البشرية، وبذلك قدم ويكستيد أقرب معنى لمبدأ الحدية، وفصله عن “الميكانيزم” التي اقترحها اقتصاديون آخرون، مثل جيفونز، حيث كان المبدأ الحدي بالنسبة لويكستيد مبدأ يتمتع بمكانة لدى الفطرة السليمة “لقد كان مبدأ حكيمًا (أخلاقيًا) يمكن تطبيقه إذا تصرف الناس بفضيلة”.

  • الرجل الحكيم Wise Man:

قدم كلا من أرسطو ويكستيد صورة الرجل الحكيم، الرجل القادر على التفكير جيدًا فيما هو صالح ومناسب لنفسه”، وأن هذا الرجل لا يهتم بالأمور التي لا يستطيع التفكير فيها، وجادل أرسطو بأن ” لدى الانسان حكمة عملية ليس بالمعرفة فقط بل بالعمل”، ويعتمد السلوك النهائي للأفراد على حكمهم على حالات معينة.

  • الأفراد مستهلكين وليس منتجين:

هناك أوجه شبه اخرى بين نهج أرسطو وويكستيد، حيث بدأ أرسطو من تحيل إدارة الأسرة، ثم قدم تحليل لكيفية الإدارة السليمة للموارد الدولية، وهكذا فعل ويكستيد. فقد اهتم أرسطو بالجوانب الاقتصادية، ونظر إلى المواطن كمستهلك وليس منتجين، وأن الإنتاج ما هو إلا وظيفة للمواطنين أي أنهم في الأصل مستهلكين وليس منتجين، وهو نفس النهج في التحليل الذي اتبعه ويكستيد.

ثانيًا: – الأخلاق والاقتصاد في الفكر الإسلامي.

إن المعاملات الاقتصادية في الإسلام لابد أن تتسق مع “القرآن والسنة” وذلك لتفادي الإجحاف بحق المتعاملين في السوق (البائع والمشتري) وللحد من الممارسات والأعراف السيئة ولتحقيق مصلحة الفرد ضمن إطار شرعي واجتماعي مقبول ومن تلك الضوابط: (مرطان، 2004، ص 126-130)

  • الأمر بالعدل والكيل في الميزان:

            أمر الإسلام بالعدل عن التعامل في السوق: يقول تعالى “ويل للمطففين، الذي إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون” وقد أخبرنا القرآن الكريم بأن قوم سيدنا شعيب هُلكوا لبخسهم في الكيل في الميزان.

  • النهي عن أكل الربا:

            اشتهر أهل مكة بالتجارة، ولأن النشاط التجاري موسمي أصبحت الإيرادات أيضًا موسمية، ومع مرور الوقت ظهرت فئة تحترف تجارة المال نفسه (أطلق على هذه الفئة فئة المرابين) وكانت تصل معدلات الفائدة إلى 100%، ثم جاء الإسلام وأبطل هذا التعامل وحث على التجارة التي تقوم على المشاركة وتحمل المخاطر، يقول تعالى: “يمحق الله الربا ويربي الصدقات”(مرطان، 2004، ص 204).

  • الصدق في المعاملة:

كبيان العيوب في السلعة متى وجدت، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في السوق على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت اصابعه بللًا، فقال: “يا صاحب الطعام ما هذا؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال من غشنا فليس منا”

  • النهي عن النجش:

هي الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وعادة ما يتم النجش بالتواطؤ بين الناجش والبائع فيشتركان في الاثم.

  • النهي عن تلقي الوافدين:

            نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الوافدين بسلعة من خارج المدينة قبل أن يصلوا السوق ويحيطون علمًا بالأسعار، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق”.

  • النهي عن الاحتكار وعن استغلال جهل أو حاجة المستهلك:

            يقول صلى الله عليه وسلم “من احتكر حكره يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ وقد برئت منه ذمة الله ورسوله”.

  • الأمر بالسهولة والسماحة في الشراء والبيع والتقاضي:

            عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى”.

ثالثاً: – الأخلاق في فكر التجاريين Mercantilisms.

أدى فساد نظام الإقطاع وما نتج عنه من ظلم اجتماعي إلى هروب كثير من رقيق الأرض، وتقليص سلطة الإقطاعيين، وفي نهاية الأمر ظهرت الدولة القومية وانحصر الإقطاع في نهاية العصور الوسطى، وبداية العصر الحديث مع بداية ظهور مذهب التجاريين.

نشأ مذهب التجاريين في منتصف القرن الخامس عشر واستمر حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، اهتم رواد هذا الفكر بالتجارة الخارجية للحصول على المعدن النفيس (الذهب والفضة)، رمز قوة الدولة آنذاك، ويحتم منطق التجاريين تدخل الدولة في التجارة الخارجية بصدد تحقيق فائض مستمر في الميزان التجاري.

بالغ هذا الفكر في أهمية التجارة الخارجية مما جعلهم يتبنون سياسات اقتصادية تقود إلى تخفيض الإنتاج مقارنة بالدول الاخرى، من خلال تخفيض الأجور ودعم سياسات التكاثر وتشغيل النساء والأطفال، واتبع هذا الفكر السياسة الاستعمارية وما صاحبها من استغلال المستعمرات وسكانها (مطران، 2004، ص 24) وهذا بالطبع مناف للأخلاق والفطرة السليمة.

قد تطلب هذا الفكر درجة عالية من المركزية الإدارية، وهذا اتسق مع وجود مؤسسات غير ديمقراطية فضلًا عن وجود مؤسسات اقتصادية محلية غير تنافسية (احتكارية)، وتكوين الثروة، استفاد المنتجين في ظل النظام التجاري على حساب المستهلكين، الذين أُجبروا على دفع أسعار متضخمة للسلع المنتجة محليًا والتي كانت محمية من المنافسة الأجنبية بواسطة آليات حمائية مختلفة. وفي ذلك قال آدم سميث “ليس من الصعب للغاية تحديد من كانوا مبتكرين لهذا النظام التجاري بأكمله؛ ليس المستهلكين، كما نعتقد، فهم الذين تم إهمال مصلحتهم تمامًا؛ ولكن المنتجين، الذين تم الاهتمام بمصالحهم بعناية” ( G. R. Bassiry and Marc Jones, 1993, pp. 621-627)

رابعاً: – الأخلاق في الفكر الاقتصادي الكلاسيكي والنيو كلاسيكي.

هناك اتجاهان للنظر إلى الجانب الأخلاقي في النظام الرأسمالي، يؤكد المدافعون عن الرأسمالية مثل مايكل نوفاك على جوانب سيادة المستهلك، والاختيار والمسؤولية الفردية، والتقدم الاقتصادي. من ناحية أخرى، ركز نقاد الرأسمالية على جوانب سلبية مثل استغلال العمال، والمادية المفرطة، والتلوث وما يرافقه من تدهور للبيئة، والتوزيع غير المتكافئ بشكل مزمن للموارد. (G. R. Bassiry and Marc Jones, 1993, pp. 621-627)

فقد قدم سميث نظامًا للإنتاج منظمًا وفقًا لمصالح المستهلك (معبرًا عنه بالطلب). علاوة على ذلك، فإن هذا النظام الاقتصادي الجديد الموجه إلى تعظيم رفاهية المستهلك من خلال توفير السلع والخدمات وفقًا لقوى العرض والطلب في السوق سيكون متوافقًا مع نظام سياسي ديمقراطي موجه إلى تعظيم رفاهية المواطن. هكذا كان الاقتصاد السياسي الذي كان سميث يدعو إليه قائماً على تعظيم اختيار المستهلك / المواطن في المجالين الاقتصادي والسياسي. وهو نموذج للتحول من السلطوية إلى الديمقراطية التمثيلية، ومن الاحتكار إلى الأسواق التنافسية، ومن الاكتفاء الذاتي إلى المبادلة والتخصص وتقسيم العمل الدولي، G. R. Bassiry and Marc Jones, 1993, pp. 621-627). لذلك يجب الحكم على أخلاقية النظام الرأسمالي “لأدم سميث” من عدمه في سياق التاريخ الذي قدم فيه كتابه “ثروة الأمم” وما كان سائدًا من مساوئ خلفها النظام التجاري.

غير أن هذا النظام الرأسمالي قد أدى إلى توزيع غير متكافئ للدخل والسلطة، بجانب عدم مقدرة النظرية الكلاسيكية على معالجة الأزمة أو الانكماش الاقتصادي، وهما من العيوب وسهام النقد التي وجُهت للنظرية الكلاسيكية، فالتوزيع غير المتكافئ للدخل (والذي يتضمن الفكرة القائلة بإن الرأسمالي يتمتع بفائض يرجع في حقيقته إلى العمال، والتوزيع غير المتكافئ للسلطة، كانا هما مصدر “الثورة الماركسية”)، وكان الالتزام بقانون ساي للأسواق وما ترتب عليه من عجز النظام الكلاسيكي عن معالجة “الكساد الكبير” الوضع الذي أدى فيما بعد للثورة الكينزية.

ذهب بعض الكتاب الكلاسيك إلى ضرورة الفصل بين المسائل العملية والأحكام الاخلاقية، وكان من الأصوات المؤثرة في هذا الصدد صوت ويليم ستانلي جيفونز الذي ذهب إلى القول في كتابه “نظرية الاقتصاد السياسي”، “إن علم الاقتصاد، حتى يكون علمًا حقاً، يجب أن يكون علمًا رياضيًا” وهذا يعني أنه لا مكان للقيم الأخلاقية في العلم الرياضي. وفي أيامنا هذه أصبح هناك اتجاه للفصل بين الاقتصاد والأحكام الأخلاقية وتبرير ذلك بالالتزام بالصدق العلمي في مقابل الاهتمام الاجتماعي، إذ يقال إن رجل الاقتصاد عندما يقوم بدوره المهني، لا يعني بالعدالة أو بالرحمة في الاقتصاد الكلاسيكي أو النيو كلاسيكي، لإنه إذا فعل ذلك يكون قد أنكر الحافز العلمي (جالبريت، سبتمبر 2000، ص 138)

خامسًا: – الأخلاق في الفكر الاقتصادي لكينز.

في ظل النظام الأخلاقي لكينز، لا يمكن اختزال الخير والسعادة في المتعة فقط، ولا يمكن معاملتهما كمفاهيم مترادفة. شدد كينز على أن القيم والغايات قد تكون جزءًا من نفس النظام الأخلاقي، ويرى كينز أن السعادة هي تركيبة من القيم والرغبات والفضائل غير المتجانسة وغير القابلة للقياس، وأخلاقياته تشمل السلوك الكامل للحياة البشرية، وليس جانبًا بسيطًا من جوانب الرفاهية.

وأوضح جون مينارد كينز أن النشاط الاقتصادي يمكن استخدامه كوسيلة لتحقيق غايات أخلاقية، وعندئذ سيكون المجتمع قادرًا على تجربة السعادة، والخير، والرفاهية، والثقافة والقيم الأخرى المرغوبة عالميًا بمجرد الوصول إلى المستوى الاقتصادي الأمثل، وهو حدث أطلق عليه “فنون الحياة” أو “الحياة الجيدة arts of life” or “good life”.  (Guizzo, D. pp1-5)

سادسًا: – هل التخلي عن الأخلاق يؤدي إلى انهيار النظام الاقتصادي المهيمن؟

قد لا تتعارض الحياة الاقتصادية مع الأخلاق والفضيلة، ولكن قد تخرج القيم الاقتصادية عن الحدود الملائمة، فقد كتب مايكل ساندل، أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد” إن تحديد سعر لكل نشاط من الأنشطة الإنسانية يؤدي إلى اضمحلال سلع أخلاقية ومدنية ينبغي الحرص عليها… فهل ينبغي ممارسة الجنس نظير مقابل مادي وماذا عن الأمهات البديلات أو الحمل نظير مقابل مادي؟ وهل ثمة ما يعيب جيوش المرتزقة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، كيف ينبغي أن يتم التكليف بالخدمة العسكرية؟ وهل ينبغي أن تبيع الجامعات بعض الأماكن في دفعة السنة الأولى لجمع أموال لأغراض مهمة، كإنشاء مكتبة جديدة أو تقديم منح دراسية للطلاب المؤهلين من أبناء الأسر الفقيرة؟ وهل ينبغي أن تبيع الولايات المتحدة حقوق الهجرة؟ وماذا عن السماح للمواطنين الأمريكيين ببيع جنسيتهم إلى الأجانب ومبادلة الأماكن فيما بينهم؟ وهل ينبغي السماح بوجود سوق حرة لعرض الأطفال الرضع للتبني؟ وهل ينبغي السماح للناس بيع أصواتهم في الانتخابات؟” كل هذه التساؤلات تعكس جانب أخلاقي في الحياة اليومية عامة والحياة الاقتصادية على وجه الخصوص.

وحديثًا يواجه الفكر الاقتصادي المهين عددًا من المشكلات الهيكلية التي قد تطيح به كليةً، وهناك أبعادًا لهذا السقوط منها؛ زيادة عدم المساواة وانعدام الأمن الاقتصادي وذكريات قاسة للأزمة المالية العالمية وإفلات من تسببوا فيها من العقاب، وأن نظام العولمة يُنظر إليه على أنه يميز الشركات الكبرى والنخبة المالية، إلى جانب التلوث وشبح تغير المناخ، كل هذا يقوض الثقة في النظام الاقتصادي العالمي الراهن على المستويين الوطني والعالمي وقد يدفع إلى رد فعل عنيف والميل نحو التطرف (Annett, 2018).

خاتمة

رغم اهتمام أرسطو والفكر اليوناني بالأخلاق، إلا أن ذلك اقتصر فقط على المدينة الفاضلة، وابقوا النساء والعبيد بعيدًا عن كتاباتهم، وقد حث الفكر الاقتصادي الإسلامي على الأخلاق في المعاملات الاقتصادية وعدم الغش والنجش وغيرها، وعلى العكس من ذلك كان الفكر التجاري والذي يرى أن قوة الدولة تتحدد بما تملكه من معادن نفيسة “الذهب والفضة” لم ير هذا الفكر غضاضة في خفض الأجور ورفع الأسعار والاستعمار واستغلال ثروات الشعوب، الأمر الذي دفع أدم سميث القول بأن مؤسسي هذا الفكر هم المنتجين السلطويين الذين يعملون لمصالحهم الخاصة على حساب المستهلكين، وقد دافع سميث عن رفاهية المستهلك والدعوة إلى النظام الرأسمالي الحر والديمقراطية التمثيلية، وغير أن جيفونز ذهب بالقول بأنه لكي يكون علم الاقتصاد علمًا حقًا، يجب أن يكون علما رياضيا” وهذا يعني أنه لا مكان للقيم الأخلاقية في العلم الرياضي. بينما كان لكينز رأيًا آخر، ويرى أن السعادة هي تركيبة من القيم والرغبات والفضائل غير المتجانسة وغير القابلة للقياس، وأخلاقياته تشمل السلوك الكامل للحياة البشرية، وليس جانبًا بسيطاً من جوانب الرفاهية، بما يعني أن علم الاقتصاد ليس قالبًا رياضيًا وإنما يسعى لتحقيق رفاه المجتمع.

إن تسليع (جعل لكل شيء ثمنا) كل شيء في الوقت الراهن تحت عمل الفكر النيو كلاسيكي، قد يطغى على الأخلاق والقيم في المجتمعات ومعها تظهر الرذائل والبعد عن الفضائل واستشراء الفساد، وتمسي المجتمعات كئيبة، فالكل يلهث ويركض من أجل المنفعة المادية والمنافسة في كل شيء، ولا يتسق هذا مع مبدأ الحياة الجيدة good life الذي دافع عنه كينز، ولن يكون هناك سماحه وسعادة وحسن في المعاملة كما ذهب إليها الفكر الإسلامي. كل هذا يقوض الثقة في النظام الاقتصادي العالمي الراهن على المستويين الوطني والعالمي، أضف لذلك المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العالمي، وقد يدفع كل ذلك إلى رد فعل عنيف والميل نحو التطرف، فهل حان الوقت للعودة إلى الأخلاق وصقل الاقتصاد في قالب أخلاقي؟!

المراجع

  1. تايلور، تيموثي (يونيو 2014)، “الاقتصاد والاخلاق”، صندوق النقد الدولي، التمويل والتنمية، ص 34-38، في https://www.imf.org/external/arabic/pubs/ft/fandd/2014/06/pdf/taylor.pdf
  2. جالبرت، جون كينثي (مؤلف)، بلبع ، أحمد فؤاد (مترجم) (سبتمبر 2000): “تاريخ الفكر الاقتصادي  الماضي صورة الحاضر”، عالم المعرفة، العدد 261. في https://ao-academy.org/2009/01/1777.html
  3. سليمان، نادية ” تاريخ الفكر الاقتصادي”، دار الثقافة العربية.
  4. طاليس، أرسطو (مؤلف)، السيد، أحمد لطفي: (1924)”علم الأخلاق إلى نيقوماخوس”، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، الجزء الأول.
  5. مطران، سعد سعيد (2004)، “مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام”، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية. في https://archive.org/details/yhbt5
  6. Annett, A. (2018). Restoring ethics to economics. Finance & Development, 55(1), 54-56. at: https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/2018/03/point2.htm
  7. Bassiry, G. R., & Jones, M. (1993). Adam Smith and the ethics of contemporary capitalism. Journal of Business Ethics, 12(8), 621-627. at: https://www.jstor.org/stable/25072445
  8. Comim, F. (2004). The common sense of political economy of Philip Wicksteed. History of political economy36(3), 475-495. At: https://www.econlib.org/library/Wicksteed/wkCS.html
  9. Guizzo, D. Ethics beyond Morality in Economic Thought: Some Lessons from JM Keynes. at: https://www.ineteconomics.org/uploads/papers/Feb-Guizzo_Ethics-and-Morality-in-Keynes.pdf
اظهر المزيد

Hassany Shahat

باحث دكتوراه في الاقتصاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، مهتم بالتحليل الاقتصادي الكلي وسياسات التنمية الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى