أدب وفنمختارات

يوسف شاهين بين الرمزية و المباشرة: محاولات لفهم فيلم العصفور

محمد أباظة

“واه يا بتوع مصر.. لبستم بدله لبستم عمه ديما كذابين ديما كذابين “

يبدأ الفيلم بأحد أهم وأشهر أغنيات أحمد فؤاد نجم والشيخ أمام والتى صارت صفة لمصر- وأحد أغانى ثورة يناير- والتى تجسد مسار الفيلم واتجد في كلماتها عنوان الخروج من الهزيمة. 

تدور أحداث الفيلم فى فترة 5 يونيو 1967 حيث يبدأ سرد الفيلم بالحديث عن أحد مجرمي الصعيد، وعلاقة مرتبكة بين ابن وأبيه.  حيث رؤوف ضابط مباحث شاب يذهب للصعيد فى حملة عسكرية للقبض على أبو خضر. بينما يذهب أخيه الغير شقيق إلى الخطوط الأولى لمواجهة العدو.ويتعجب لما تركنا سيناء خاوية بلا مصانع بلا حدائق وهو فى حالة انتظار و مترقب الصدام مع العدو ولمن ستكون الضربة الأولى.  

الجميع يطارد أبو خضر؛ أهل الصعيد، الحكومة ، الصحافى في  القاهرة. بينما يحدث كل هذا يطوف طفل الصعيد باحثاً عن طريق للحسين حتى يجد لأبيه العليل الدواء الشافي. 

الفيلم قد يكون مربك لتعدد المسارات التى دوماً تتلاقى جميعاً في نقطة واحدة وهى ” بهية “، ولكنها تعكس رؤية شاهين فى رغبته فى إبراز المشهد كامل. المدينة التى تغرق فى الفساد و ذاهبة إلى الحرب ، حيث الجميع فى أزمة رجل الامن والمثقف والطالب والطفل و المعلم. 

الجميع محتقن حيث المدينة على شفا حفرة من نار بينما  يجتهد رجال النظام فى تفكيك مصانع الصعيد ومطاردة من يحاول كشف الحقيقة وتعيد الإذاعة على أسماعهم يوميا أحاديث النصر ودحر العدو وقذفهم فى البحر.  

وبينما الهزيمة تحدث وينسحب الزعيم  تخرج المدينة تطالب ببقائه؛ تخرج بهيه وحدها تطالب بالحرب وإستعادة الأرض والثأر. بينما تتحرك العربات النقل من الصعيد بشكل منظم ومدروس لتنقل مكن المصانع المسلوب من الشعب لصالح رجال الدولة اللصوص الشرعيين. بينما تتحرك عربات نقل الجنود غلى الجبهة فى حالة من الإرتباك وتضارب الأوامر بين التقدم والانسحاب. 

العصفور حيث هناك مساحة لتعدد الصور والأصوات من رجال الأمن ورجال الصحافة والمثقفين والحالمين بعودة الماضى،  حيث كانت الأرض محتلة. لم يستبد يوسف شاهين بأى رؤية أو موقف سياسى ولكن أعطى الفرصة للجميع فى شرح أسبابهم ودوافعهم والجميع يبحث عن بهية. أما بهية فتبشر بالوطن. ولكن، لا أحد يصل وهى تطارد الحياة فى القاهرة .

و الصعيد الغارق ما بين الثأر و الفساد وأزمات التنمية والطفل الذى يحاول أن يصل إلى القاهرة ليجد فى حضرة الحسين دواء لأبيه المريض.  

العلاقات المرتبكة بين عقول الفساد وأدوات الفساد و إدارة الفساد وحماية الفساد من قبل اللصوص الشرعيين .

حيث يصبح أحد مجرمين ومطاريد الجبل ورجال الشرطة أدوات الفساد. وعندما يخرج أبو خضر مجرم الصعيد الأخطر عن طاعة إدارة وعقول الفساد فى القاهرة. تمتد أداة الفساد الأخرى من رجال الشرطة لإنهاء قضيته وتصفيته بحجه أنه أحد القتلة والمجرمين الخارجيين عن القانون. وبينما تدور رحى الصعيد بين الفساد والقتل يتواطأ الجميع على التدليس وطمس الحقيقة، نجد صحفى من القاهره يحاول تسليط الضوء على كل هذا الفساد ويذكر على لسان هاملت ” فى الدوله الدنماركية شىء من العفن “

 كاشفاً ما فى القضية من عفن ، وبينما تدور خيوط الصراع فى الصعيد بين ضابط شاب مبتدئ، وصحفي يحاول كشف الحقيقة، و شيخ أزهرى يسعى للثأر. تدق طبول الحرب فى ربوع مصر ويذهب أبنائها فى مظاهرة عسكرية. 

ربما حاول يوسف شاهين فى العصفور طرح سردية مختلفة للنكسة وأسبابها .وأن الهزيمة لم تحدث على الخطوط الأولى فى سيناء ولكنها حدثت فى وطن يحكمه الصوت والرجل الواحد. فعندما  لا يعلو صوت فوق صوت المعركة تقمع جميع الأصوات التى تسعى لكشف الفساد .

و بينما كانت الهزيمة قد حدثت بالفعل فى الجنوب فى الصعيد ، كان الصحفي  الذي يحاول كشف الحقيقة مهدد ومطارد. في حين  لم تمتلك بهية – الوحيدة الحالمة الصادقة –  غير الكدح والمقاومة وصراخ فى الشارع بالثأر .بينما كان جنودنا يحرقون فى سيناء أثناء انسحابهم .بينما يردد طفل الصعيد مقولته – التى تفضح عرى المجتمع – ويقول : ” يا كذابين ياولاد الفرطوس.. واه يابتوع مصر لبستم بدله لبستم عمه ديما كذابين ديما كذابين “.

ربما فى نهاية الفيلم تشعر بالانزعاج والارتباك من تعدد الشخصيات والأصوات وتباينها ومن سرعة حركة الكاميرا .وربما أراد شاهين القول أن الهزيمة بدأت من الداخل. وربما أراد سب الجميع على لسان طفل الصعيد الصارخ بالحقيقة : “” يا كذابين ياولاد الفرطوس.. واه يابتوع مصر لبستم بدله لبستم عمه ديما كذابين ديما كذابين “.

وأخيراً؛  تأتي أهمية فيلم العصفور من أنه خرج عن أحد أبرز مناصريين ثورة 23 يوليو قولاً وفعلا ً. ولكن،  هذه المرة أتى فيلم العصفور مختلف بشكل كامل حيث لم يستطع شاهين أن يبشر فيه  بفجر يوم جديد، أو بميلاد زعيم  يوحد العرب ويحرر الوطن من براثن الإستعمار. ولكنه،  تحدث عن بهية صورة الوطن النقية، والتى – عندما انكسر وارتبك الجميع-  كانت إرادتها راسخة ، وصوتها واضح منادية بالحرب ودحر الهزيمة والتحرير .

وعلى صعيد آخر؛  استطاع أن يعرض-  بشكل متجانس بين الرمزية والمباشرة-  الفجوة والتناقض الذي حدث بين المبادئ الست والأفكار التي دعت إليها ثورة 23 يوليو ، والتطبيق الحقيقي لتلك المبادىء فى الواقع . والذى كان أحد الأسباب المباشرة  لهزيمة 1967 ،والتي بدورها  أصبحت حدا فاصلاً فى تاريخ الوطن والفصل الأخير لمشروع 23 يوليو .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى